جودت حسون – سوريا 360
هل نبالغ إذا أطلقنا على بطلنا الصغير ألقابا من قبيل “الطفل المعجزة“، بل لنجنح أكثر بالحلم ونقترب نحو الاختصاص ونقول: “ملك الشطرنج”؟
أم يمكننا تحميله وزر قناع لا أظنه فضفاضا على وجهه الطافح بالبراءة والطفولة والبطولة فنطلق عليه “كاسباروف” سوريا القادم؟!
أخبار الذهب القادمة من أرض البطولات تكشف أن “مازن” اسم على مسمى، وهو الغيمة التي تمطر ذهبا في زمن الجفاف الرياضي!
في بلدٍ يخرج فيه الناس من بيوتهم حاملين مفاتيح الصبر بانتظار الفرج، وجرعات سخرية يقاومون بها فوضى المراحل الانتقالية، خرج
“مازن فندي” حاملاً طفولته رفقة رقعة شطرنج و”عقل بوزن بلد”.
ولد “مازن” في سوريا، حيث يولد الطفل مبرمجا وفق قدرات خارقة، القدرة على الصبر، القدرة على التكيف، والقدرة على فهم أن الأشياء الجميلة تأتي دائمًا متأخرة، بما في ذلك تأشيرة كانت أسرع شيء يتأخر في حياته، فحرمته بطولة العالم!
ولد في 2013، السنة التي كان العالم فيها مشغولًا بتطوير تطبيقات جديدة، بينما كان السوريون مشغولين بتطوير مهارات جديدة في كل أنواع النجاة برا وجوا وبحرا.
وفي هذا الجو المشبع بالأسئلة، ظهر طفلٌ لا يشبه أترابه، ففضل “الشطرنج” على “الغميضة” و”الكلال” و”السبع حجرات”، وحتى “كرة القدم” مالئة دنيا الأطفال والكبار!
وبينما أطفال العالم يركضون وراء الكرة، كان “مازن” يركض وراء النقلة الصحيحة، وبينما الكبار يبحثون عن مستقبل البلد، كان ابن ريف “حماة” مشغولا بترتيب بيادقه دفاعا عن حلم وطن.
ولأن الذكاء في بلده عادة يُعتبر تهمة تخففها الهجرة، كان لا بد أن يلمع اسم الصغير خارج الحدود، إذ شارك “مازن” في بطولات محلية وعربية ودولية، وبدأت خزائن الجوائز تُفتح له ليفتح قلوب السوريين للفرح حين يسمعون قصة طفل ألمعي اخترق عتمة النفق المظلم بلمعان الذهب.
اقرأ أيضا: فراس تيت.. عندما يلعب الفار بأول مباراة للديمقراطية
فاز بالذهب في بطولة شطرنج العرب، وصعد منصة تلو أخرى، لكن الإنجاز الأكبر كان بطولة العالم (U12)، حيث قرّر القدر أن يمتحن صبره قبل أن يمتحن ذكاءه.
لم يكن “مازن” كباقي الأنداد المشاركين، الذين وصلوا مدججين بالراحة النفسية ووقت كاف ليلتقطوا الصور، ويشربوا العصير، قبل أن يبدأ النزال.
أما ابننا “مازن”، فلا وألف لا، حتى التأشيرة على وقتها صارت حلما، فوصل إلى كازاخستان بعد بداية البطولة، بعد طول انتظار ورقة تأبى الوصول إلا بعد جولة على ألف مكتب، بألف ختم، مع ألف توقيع!!
كانت أولى وأقسى نتائج ولدنا أن خسر الجولة الأولى دون أن يحرك جنديا، لم يتحسس حصانه، لم يقترب من القلعة، ولم يلمس الملك، حتى أنه لم يلق على فريقه تحية الصباح!
بكل بساطة، خسر الجولة الأولى لأنه سوري..!
ولكن ولأنه سوري أيضا، رفض أن يوصم بأنه ابن المأساة، فانتفض وأكمل البطولة، وفاز وتعادل، فانتصر، حتى صعد إلى منصة التتويج ثالثًا بينما كان يمكن أن يكون أولًا لولا التأشيرة التي كانت المنتصر الوحيد على ابن سوريا فأبدلت ذهبه بالبرونز!
نعم ولدنا “مازن” وجه طفولي بطولي يجسد حكاية بلد غني بالعقول فقير بالفرص، يمتلك طاقات، لكن يمكن أن تخدر بورقة!
تأخرت تأشيرة “مازن”، لكنه لم يتأخر عن الفوز، فنحن أمام خصم لا يرحم على الرقعة، لكنه رحيم في تذكيرنا أن الأمل موجود، حتى لو تأخر!