سامر سليمان – صحافي سوري
شهدت انتخابات اتحاد كرة القدم السوري الأخيرة حالة من الجدل الواسع، ليس بسبب نتيجة التصويت بحدّ ذاتها، بل بسبب الأسماء التي شكّلت قائمة الرئيس المنتخب “فراس تيت“، فعلى الرغم من الخطاب الذي قدّمه “تيت” حول مرحلة جديدة وإصلاحات إدارية واسعة، فإن انضمام شخصيات كانت جزءاً أساسياً من المنظومة السابقة، مثل “فادي دبّاس” و”موفّق فتح الله“، أثار تساؤلات مشروعة حول مدى جدّية الحديث عن التغيير، بل وحول إمكانية تحقيقه أصلاً.
هذا الجدل فتح باباً أساسياً للنقاش حول العلاقة بين الشعارات والإجراءات الواقعية في الإدارة الرياضية السورية. فغالباً ما تكون الخطابات الإصلاحية قوية وجذابة، لكنها لا تُترجم دائماً إلى ممارسات فعلية، خاصة حين تعود الشخصيات نفسها التي ارتبطت بمراحل ضعف الأداء إلى المشهد.
عودة الوجوه القديمة: إحياء للماضي أم استمرارية مقنّعة؟
يرى الكثيرون أن وجود هذه الأسماء يعكس تناقضاً واضحاً بين الشعارات المعلنة والواقع الفعلي. فالمرحلة التي لعب خلالها دبّاس وفتح الله أدواراً مؤثّرة في الاتحاد لم تُسجَّل كمرحلة تطور أو إصلاح، بل اتسمت بتراجع في الأداء الإداري، ضعف في آليات اتخاذ القرار، واهتزاز صورة الكرة السورية خارجياً. في تلك الفترة، شهدت المنتخبات الوطنية تذبذباً في النتائج، كما غابت الاستراتيجيات الواضحة لتطوير المواهب الشابة أو دعم الأندية على المدى الطويل.
لذلك، فإن إعادة هؤلاء إلى المشهد يطرح سؤالاً أساسياً: كيف يمكن بناء مرحلة جديدة بأدواتٍ أثبتت التجربة سابقاً محدودية قدرتها على إحداث تغيير؟ هذا السؤال لا يقتصر على الجوانب الإدارية فحسب، بل يمتد إلى التأثير النفسي على اللاعبين والجمهور، فالعودة إلى وجوه مرتبطة بفشل سابق قد تثير شعوراً بالإحباط أو الشك في جدية الإصلاح.
تحديات أمام الرئيس الجديد: صراع بين الإرادة والواقع
يقدّم “فراس تيت” اليوم بوصفه شخصية تحمل رؤية إصلاحية وبرنامجاً طموحاً، لكن الطموح وحده لا يكفي. فالعمل ضمن مجلس يضم أسماء مثيرة للجدل قد يشكّل عائقاً أمام إحداث أي تحوّل حقيقي. الإدارة الرياضية الناجحة تحتاج إلى فريق متناغم، قادر على اتخاذ قرارات جريئة، ومواجهة إرث طويل من الفوضى الإدارية والبُنى المتصدّعة.
اقرأ أيضا: إنفانتينو يؤكد دعم فيفا كرة القدم السورية
وتبرز هنا إشكالية أساسية: هل يتمتّع تيت بالمساحة الكافية لممارسة سلطته؟ وهل يستطيع كسر أنماط العمل التقليدية التي رسّختها القيادات السابقة؟ الواقع أن التغيير الإداري يتطلب ليس فقط رغبة شخصية، بل قدرة على إقناع الأطراف المختلفة، وإعادة ترتيب الأولويات، وفرض استراتيجية واضحة تتجاوز المصالح الفردية أو الجماعية التي قد تعرقل الإصلاح.
تحديات أعمق من الأشخاص
لا يمكن إنكار أن الكرة السورية تعاني من مشكلات بنيوية أعمق من مجرد تغيير أسماء. البنية التحتية، ضعف الأكاديميات، غياب التخطيط طويل الأمد، غياب الاحتراف الحقيقي، والفجوة الكبيرة بين ما يحتاجه اللاعبون وما هو متاح لهم… كلها ملفات تحتاج عملاً جذرياً، لا حلولاً تجميلية.
ومع ذلك، يبقى اختيار الشخصيات القيادية حجر الأساس، لأنه يعكس فلسفة الاتحاد الجديد ومدى جدّيته في مواجهة هذه المشكلات. فالتاريخ الرياضي السوري أثبت أن إعادة نفس القيادات أو الاعتماد على وجوه تقليدية غالباً ما يؤدي إلى إعادة إنتاج نفس الأخطاء، مهما كانت النوايا طيبة. لذلك، فإن التشكيك في جدوى التشكيلة الجديدة ليس نوعاً من التشاؤم، بل قراءة واقعية للتجارب السابقة وما قد ينتج عنها مستقبلاً.
أي مستقبل ينتظر كرة القدم السورية؟
المؤشرات الحالية تقدّم صورة مترددة بين التغيير والاستمرارية. فخطاب الرئيس الجديد واعد، لكنه لا يرافقه بعد خطوات ملموسة أو تغييرات هيكلية واضحة في مجلس الإدارة. تشكيلة المجلس لا تعكس القطيعة المطلوبة مع منظومة أثبتت محدوديتها، بل ربما تضع الرئيس أمام تحديات إضافية في فرض سياسته وإدارة الصراعات الداخلية.
ويبقى السؤال مفتوحاً أمام الجمهور الرياضي السوري: هل نحن أمام بداية إصلاح فعلي، أم أمام إعادة إنتاج لمرحلة قديمة بواجهة جديدة؟ الإجابة لن تتضح إلا خلال الأشهر القادمة، مع ظهور أولى القرارات العملية، سواء كانت في تطوير البنية التحتية، دعم الأكاديميات، تنظيم البطولات، أو تحسين العلاقة مع الأندية واللاعبين.
في كل الأحوال، ستكشف الأشهر المقبلة مدى قدرة القيادة الجديدة على تجاوز إرث الماضي، وتحويل الوعود إلى خطوات ملموسة تبني كرة قدم سورية تليق بطموح جماهيرها، وتعيد لها مكانتها على الساحة الإقليمية والدولية. فالمستقبل، رغم الغموض، يحمل فرصة لإعادة صياغة كرة القدم السورية، لكن ذلك يتطلب شجاعة، وضوح رؤية، والتزاماً حقيقياً بالإصلاح، بعيداً عن الأسماء القديمة التي قد تعرقل الطريق نحو التغيير الحقيقي.