جودت حسون – سوريا 360
يتفق السوريون، الذين خسروا ما يقارب مليون شهيد خلال ثورتهم، على أن هؤلاء صعدوا إلى السماء وهم يحملون مفاتيح دولة القانون والعدل والمساواة، لكن على الارض تبدو الأبواب، إن لم تكن مغلقة، فهي مواربة بأفضل حالاتها عل الأقل حتى الآن!
ومع أن هذه المصطلحات قد تبدو رنانة بقدر ما هي فضفاضة، فإن الوقائع النابتة من أرض ما زالت مخضبة بدماء أبنائها، تشير إلى أن مبدأ “الشخص غير المناسب في كل مكان”، أصبح دستورًا جديدًا مكتوبًا بمداد الولاء قبل حبر الكفاءة!
كما لو أن الذين ثاروا على رجل غير مناسب ورث الحكم كما تُورّث مزرعة خيول، وجدوا أنفسهم أمام نسخة ثورية مطوّرة من منطق ليس بعيدا، فالثورة أيضًا، بحسب مراقبين، تورِّث المناصب، لكن بنكهة ثورية أو تكويعية؟!
حصول الناس على حقوق طبيعية بالعيش والكرامة، كان البائد يساومهم عليها، ليس كافيا لنقول إن سوريا تغيرت كما يحلم بها طلاب التغيير الحقيقي.
احترام عناصر الأمن للمارة على الحواجز هو واجب عليهم يشكرون عليه، لكنه حد أدنى لحق الناس بعد عظائم التضحيات.
وكذلك تسريع المعاملات في دوائر الحكومة والتضييق على المرتشين والفاسدين، إجراءات طبيعية بعد نظام زرع الفساد في كل مواسم الخراب!
ولاءات لا كفاءات
تتلاحق الشكاوى من مؤسسات “الدولة الجديدة”، حيث تُوزّع المناصب، كما يشاع، بنفس طريقة توزيع أرغفة الخبز في طوابير أيام زمان، من يعرف أحدا وخاصة إذا كان من مرتبة “شيخ”، يحصل قبل الجميع، ويتجاوز الطابور كاملا، ومن لا يعرف أحدا، فليقف هناك، ربما إلى الأبد، مرددا المثل الشعبي صيحة في واد دون صدى “أعطوا للخباز خبزه…”.!
ولأنّ الإعلام هو المرآة الأنقى لأي نظام، حتى لو كانت هذه المرآة مكسورة ومغطاة ببخار الشعارات، فقد ظهر أثر التعيينات فيه بوضوح فاق وضوح الصورة في كاميرا رخيصة ماركة “صنع في الصين“!
مصادر “سوريا 360” كشفت أن الطوفان التعييني جارٍ على قدم وساق، والسؤال البسيط الذي لا أحد -ربما- يريد سماعه:
هل ضحّى الشهداء ليقفز إلى واجهة المشهد الإعلامي شبابٌ لا يحملون أدنى المؤهلات، وبالكاد يجيد بعضهم كتابة منشورٍ بلا أخطاء؟
اقرأ أيضا: إعلاميو ما بعد التحرير.. من لا يعرف الصقر يشويه
ترويض فتضييق فتطفيش …!
في الوقت الذي تأتي فيه الدفعات الجديدة من “الكوادر الإعلامية” بعبوات مغلّفة، يُطلب من الصحافيين القدامى الالتزام بالدوام المكتبي، وكأنهم موظفو أرشيف، مع أن الصحافة، كما يعرفها العالم، تُكتب في ومن وللشارع، لا تحت مصباح اعتاد كسل الضوء الخافت، قبل أن يصل التيار بكامل أنواره وبهائه واصلا الليل بالنهار!
آخر الأنباء، بحسب مصدر مطلع، فإن آلية العمل الصحفي من وراء المكتب اعتمدت على أعلى المستويات.
وكشف المصدر أن وزير الإعلام “حمزة المصطفى” كرر التعليمات بحبس الصحافي داخل جدران مكتبه، مشترطا على من يغادر، حتى لو ساعتين خلال اليوم، أن يكتب لقاءها مادة بعد حصوله على “مهمة رسمية”!
والقرار الأكثر خطورة لصحافيين يعانون ضعف الموارد، كان إلغاء “الاستكتاب” ورفع حجم العمل إلى ما يقارب مادة كل يوم!
وحين يصل الحديث إلى عصب الحياة (الرواتب)، تبدأ المأساة وتكتمل السخرية..! فالمواطن الصحفي المخضرم، صاحب الشهادة والخبرة وسنوات القلق والخوف، لا يتجاوز راتبه 100 دولار.
بينما يحصل القادم الجديد “الصحافي المواطن” على 300 دولار بعد توقيع استمارة العقد!!.
“الحرية” تحت إشراف خبير صيانة
أمّا المفاجأة الكبرى فقد ظهرت مؤخرا حين تم تعيين ناشط صحفي -لا يحمل سوى شهادة إعدادية- لمراقبة طاقم إدارة تحرير جريدة “الحرية” (تشرين سابقًا).
وعندما انفجرت القصة على وسائل التواصل الاجتماعي، اضطر مصدر مسؤول في إدارة تحرير الصحيفة لتقديم رواية تقول إن الرجل “مسؤول عن الصيانة”!
لكن الصيانة التي يقوم بها، وفق مصادر متقاطعة، ليست للنوافذ أو الأبواب، ولا لحركة المطابع المتوقفة عن العمل أصلا لاقتصار كل الصحف السورية على النشر الإلكتروني، بل لمراقبة الصحفيين!
أنباء تؤكدها المصادر نفسها، تشير أيضا إلى أن الشاب العشريني مازال مشرفا على حركة الصحافيين ومهماتهم اليومية والساعية ولو كانت 5 دقائق، ويوقع على المهمات بعد رئاسة التحرير. وتشمل سلطته، حسب المصادر، كل هيئة التحرير في الصحيفة، ويستدعي من يشاء إلى مكتبه بمن فيهم صحافيون بدأ بعضهم في مهنة المتاعب قبل أن تبصر عينا المسؤول الجديد النور!
وغير بعيد عن “الحرية”، شهدت صحيفة “الثورة” تعيين مسؤول في هيئة التحرير حديث العهد بالمهنة لكن راتبه بالدولار، حسب المصادر نفسها، يعدل كل شيء بعد أمناء ومدير التحرير القدامى، ما اضطر مسؤولا في هيئة التحرير للاستقالة.
وكشفت المصادر أن هذه السياسة “التطفيشية” ستدفع بصحافيين آخرين لاتخاذ القرار نفسه بترك العمل الصحفي.
وإذا سأل صحافيون مخضرمون من القائمين على رأس عملهم أو من المنشقين، السؤال المصيري “الإعلام السوري إلى أين؟”، ترجح المصادر أن يكون الجواب: “الباب بفوت جمل”!