سوريا 360 – درعا – سامر المقداد
عادت أصوات المعاول والرافعات لتعلو من جديد فوق أنقاض المنازل المهدّمة في محافظة درعا “مهد الثورة” السورية، بعد أكثر من 14 عامًا من الدمار والتوقف شبه التام في حركة البناء، أعوام طغت فيها أصوات القذائف والبراميل على كل شيء.
ومنذ سقوط المخلوع في كانون الأول/ديسمبر الماضي، تشهد درعا، موجة إعادة الإعمار، في مشهد يراه كثيرون إيذانًا بمرحلة جديدة من الأمل والعودة، بعد سقوط منظومة الخوف التي كبّلت سوريا لسنوات طويلة. ففي الأحياء التي كانت ذات يوم مسرحًا للاشتباكات، تتصاعد أعمدة الطوب والحديد من بين الركام. وعلى الطرق الواصلة بين الريف والمدن الرئيسية يشاهد عشرات الورشات الصغيرة التي تعمل دون توقف.
إحياء الأمل
اللاجئ “محمد النابلسي” يتابع من مخيم “الزعتري” شمال الأردن، أخبار مدينته درعا بشغف وأمل. “محمد” الذي غادر في صيف عام 2013 بعد أن سويت منازل الحي الذي يقطن فيه بالأرض إثر قصف عنيف، وظل يعيش منذ ذلك الحين على أمل العودة.
وقال “النابلسي” لـ”سوريا 360“، إنه حين يرى الصور “منازل تُبنى وشوارع تنظَّف، أشعر أن الباب فُتح أخيرًا للعودة. لم أصدق أن الناس بدأت تعمّر من جديد بعد كل ما جرى. الإعمار بالنسبة لنا ليس حجارة تُرفع، بل حياة تُبعث من جديد.”
وأضاف: “أحلم أن أعود وأبني من جديد، لا لأنني أملك الكثير، ولكن لأن المكان يستحق أن يُعاد له وجهه الحقيقي. حين بدأ النظام بتدمير كل شيء، ظنّ أنه أنهى المدينة، لكنه لم يفهم أن درعا تُعيد نفسها مهما كانت الجراح.”
إلى جانب ذلك، ذكر “النابلسي” أنه “حين يرى الناس تعيد بناء بيوتها، يشعر أن الطريق إليّها قد بدأ يُفتح. وينتظر فقط أن تكتمل الصورة، ليستطيع العودة دون خوف. فالإعمار هو وعدٌ بالعودة.”
![]()
اقرأ أيضا: درعا… من غياب الاستثمارات إلى البحث عن دور اقتصادي جديد
مدن تتنفس
في مدينة “بصرى الشام” شرقي درعا، بدأ “ محمد عبد العزيز” (35 عامًا) بإعادة بناء منزله الذي دُمّر بالكامل عام 2015. ويصف شعوره قائلاً: “لم أكن أصدق أنني سأضع أول حجر بيدي بعد هذه السنين. الأرض كانت صامتة، مليئة بالركام والخوف. اليوم حين تسمع صوت العمال والخلّاطات، تشعر أن القرية عادت تتنفس.”
وأشار إلى أن “عمليات البناء تتم بجهود ذاتية وتمويل من المغتربين”، ويضيف: “كثير من أبنائنا في الخارج يرسلون ما يستطيعون، حتى من يعملون في أبسط المهن، لأنهم يريدون أن يكون لهم بيت في درعا، بيت في بلدهم الحر”.
في مدينة “الحراك” كانت “عائشة الحريري” من أوائل النساء اللواتي بدأن بإعمار منازلهنّ. وقالت لـ”سوريا 360″: “بيتنا تهدّم بالكامل، تركناه وهربنا. لكنني عدت بعد سقوط المخلوع مباشرة، وقررت أن أبدأ البناء بنفسي. استعنت بمهندسين وشباب من البلدة، وها أنا اليوم أعيش في أول طابق، رغم أن الطابق العلوي لم يكتمل بعد. الإعمار ليس رفاهية، هو قرار بالاستمرار.”
ورشة عمل مفتوحة
بدوره، أكد المهندس ” عبد الوحيد المقداد“، أن “المحافظة تشهد حركة بناء غير مسبوقة منذ ما قبل عام 2011”، وقال: “يمكن القول إن درعا اليوم في ورشة عمل مفتوحة. خلال الشهور الأخيرة، تضاعف عدد طلبات الترخيص، وازداد عدد المشاريع السكنية في القرى والمناطق الريفية بشكل لافت”، مرجعا السبب الأساسي إلى أن الحكومة بدأت تُسهّل الإجراءات بشكل كبير، خصوصًا بعد خلع نظام “الأسد”.
وأوضح “المقداد”: “هناك توجّه واضح لإعادة الحياة إلى المدن عبر البناء السكني والخدمي. كثير من المغتربين عادوا أو أرسلوا أموالهم للاستثمار في مشاريع عقارية صغيرة. هذا لم يكن ممكنًا قبل سنوات، حين كانت كل حركة بناء تحتاج موافقات أمنية طويلة ومعقدة”، مشيرا إلى أن الأوضاع الأمنية المستقرة نسبيًا شجعت الناس على العودة، لاسيما بعد أن توقّف القصف والاعتقالات.
![]()
اقرأ أيضا: مشروع جديد لتعزيز الكهرباء واستقرار المياه في درعا
الاطمئنان أساس الإعمار
المهندس “جواد العبدالله” رأى أن العامل النفسي هو السبب الأهم في هذا النشاط العمراني اللافت. وقال: “إلى جانب التسهيلات الحكومية. الناس بدأت تشعر بالأمان الحقيقي بعد أن تلاشى الخطر الذي كان يهدد كل ما يُبنى سابقًا، كان الجميع يخاف أن يشيّد بيتًا، لأن قذيفة واحدة قد تمحو تعب العمر. اليوم الوضع مختلف، الناس مطمئنة بأن لا أحد سيأتي ليهدم ما بنوه”.
وقال”العبد الله” لمنصتنا: “الناس كانت تعيش حالة إنكار لسنوات، لا أحد يجرؤ على البناء، كأن الخراب جزء من المشهد. الآن تغيّر كل شيء. هناك رغبة حقيقية في الحياة، في الترميم، في رسم ملامح جديدة لمستقبل درعا.”
حجرا فوق حجر
الخبير الاقتصادي “أحمد المسالمة“، اعتبر أن المؤشرات الحالية تدل على أن درعا تدخل مرحلة جديدة من التعافي الذاتي، يقودها الأهالي والمغتربون، دون انتظار مشاريع دولية أو وعود سياسية. فالمحافظة التي كانت مهد الثورة السورية تحاول اليوم أن تكون مهد الإعمار أيضًا.
ورأى أن “استمرار الاستقرار الحالي وتسهيل عودة رؤوس الأموال واليد العاملة قد يحوّل درعا إلى نموذج مبكر لإعادة البناء في سوريا ما بعد الحرب. فبعد 14 عامًا من الدمار والنزوح، يبدو أن أبناء المدينة قرروا أن يعيدوا بناء ما دمره المخلوع، حجرًا فوق حجر”.
أسعار المواد والأجور
في إطار متابعة منصة “سوريا 360” لواقع سوق مواد البناء، التقت “حاتم المقداد“، صاحب مركز لتوزيع مواد البناء، للحديث عن أسعار المواد وأجور اليد العاملة في السوق المحلية.
وأوضح “المقداد” أن سعر المتر المكعب من البحص والرمل يبلغ وسطياً نحو 22 ألف ليرة سورية، يختلف بحسب النوع والجودة، في حين تتراوح أسعار البلوك بين 3500 ليرة لبلوك قياس 10 سم، و4000 ليرة لبلوك 12 سم، و5000 ليرة لبلوك 15 سم، وتصل إلى 6000 ليرة لبلوك 20 سم، أما البلوك الهوردي فسعره نحو 5500 ليرة سورية.
أما بالنسبة للمواد الأساسية، فقد سجل طن الإسمنت حوالي 115 دولاراً، وطن الحديد نحو 685 دولاراً.
وفيما يخص أجور العمال، بيّن “المقداد” أن تنفيذ السقف يكلف نحو 50 ألف ليرة سورية للمتر المربع، بينما تبلغ أجور البناء قرابة 12 ألف ليرة للمتر المربع، وأجور الطينة نحو 18 ألف ليرة سورية.
وأشار إلى أن تكلفة البناء الإجمالية للمتر المربع تبلغ في المتوسط حوالي 85 دولاراً للطابق الأرضي، وتنخفض إلى نحو 70 دولاراً للطابق الثاني دون الإكساء، في حين تبدأ تكلفة الإكساء من 100 دولار للمتر المربع وقد ترتفع بحسب نوعية المواد ومستوى التشطيب المطلوب.