سوريا 360- الرقة
وجهت السلطات النمساوية يوم الخميس، اتهامات رسمية إلى ضابطين سابقين في أجهزة أمن المخلوع، هما العميد “خالد الحلبي” والمقدم “مصعب أبو ركبة”، بارتكاب جرائم حرب وتعذيب في مدينة الرقة بين عامي 2011 و2013.
وشغل “الحلبي” منصب رئيس جهاز أمن الدولة في محافظة الرقة منذ العام 2009 حتى فراره منها في آذار/مارس 2013، أما “أبو ركبة” فقد كان رئيس قسم التحقيق في فرع الأمن السياسي بالمحافظة.
“الحلبي” الذي كان عميلا للموساد وفق ما أكدته صحيفة “معاريف” الإسرائيلية، تقدم بطلب لجوء إلى النمسا عام 2015 حيث عاش متخفيا مع “أبو ركبة”، تحت حماية المخابرات الإسرائيلية، ويواجه الاثنان حاليا عقوبة قد تصل إلى السجن 10 سنوات.
لم يكن الوصول إلى هذه المرحلة وليد الصدفة، بل ثمرة جهود مضنية بذلها ناشطو المدينة وذوو الضحايا الذين ذاقوا ويلات الاعتقال والتعذيب، ويرى هؤلاء اليوم أن العدالة بدأت تخطو خطواتها الأولى، وأن محاسبة مجرمي النظام المخلوع باتت حقيقة ملموسة.
حماية الموساد
“أسيد الموسى” محام وناشط سياسي وأحد المدعين في القضية، وهو معتقل سابق مرتين بسبب مشاركته في الثورة، قال: “ فر “الحلبي” من الرقة بعد تحريرها إثر انكشاف تورطه في جرائم تعذيب واعتقال تعسفي، ووصل إلى النمسا بمساعدة الموساد، ثم تبعه “أبو ركبة” بعد اتهامه بالخيانة، واستمرت ملاحقتهما سنوات طويلة من جمع الأدلة والشهادات”.
وأوضح “الموسى” أن ناشطي الرقة تعاونوا مع منظمة حقوقية دولية لملاحقة المتهمين، حتى صدرت الاتهامات الرسمية بعد تحقيقات استمرت 8 سنوات، لتوجه إليهما تهم ارتكاب جرائم ضد الإنسانية، مبينا أنه شاهد “أبو ركبة” شخصيا في مخيم لجوء بمدينة فيينا في تشرين الثاني/نوفمبر 2014، وتقدم حينها ببلاغ رسمي ضده لدى السلطات النمساوية.
العدالة لا تموت
الناشط الإعلامي “باسل أصلان” الذي اعتقل في عمر الـ18 بسبب مشاركته في الثورة، قبل أن يضطر إلى مغادرة الرقة مطلع عام 2014 متجها إلى هولندا قال: “خلال فترة احتجازي، تعرضت للتعذيب الجسدي والنفسي الشديد على يد عناصر الفرع، بحضور مباشر من المقدم “أبو ركبة”، وما عشته في تلك الأيام ترك أثرا عميقا، ليس في جسدي فقط، بل في ذاكرتي حتى اليوم”.
![]()
اقرأ أيضا: رحلة البحث عن “الذيب”.. معلومات تنشر لأول مرة عن شبيح خطير اختفى أثره في ألمانيا
وأوضح أنه كان أحد الضحايا الذين قدموا شهاداتهم أمام السلطات النمساوية في القضية، واصفا قرار النيابة العامة هناك بأنه بداية طريق العدالة بعد سنوات من الصمت والإفلات من العقاب.
واعتبر “أصلان” أن هذه الخطوة تثبت أن العدالة قد تتأخر لكنها لا تموت، وأن أصوات الضحايا، مهما أُسكتت في الزنازين، ستصل في النهاية إلى قاعات المحاكم.
بارقة أمل
ناشط حقوقي آخر من فريق القضية، فضل عدم ذكر اسمه، قال: “أمضينا سنوات في جمع الأدلة وتوثيق شهادات الناجين، إيمانا منا بأن معاناة الضحايا يجب أن تسمع، وأن حقوقهم لا يجوز أن تهمل. هذا الإجراء القضائي جزء من الوفاء لضحايانا، ورسالة واضحة بأن الإفلات من العقاب ليس قدرا، فالعدالة قد تتأخر لكنها قادمة لا محالة.”
ورأى الناشط الحقوقي أن هذه الخطوة في النمسا تمثل بارقة أمل لأهالي الرقة، الذين يرون أن دماء أبنائهم لم تذهب هدرا، وأن العدالة الدولية بدأت تفتح ملفات طال انتظارها.
تأتي هذه المحاكمة في سياق الجهود الأوروبية لملاحقة مجرمي الحرب السوريين الذين فروا إلى القارة بعد اندلاع الثورة عام 2011، فقد شهدت دول مثل ألمانيا وفرنسا محاكمات مشابهة لضباط سابقين في أجهزة أمن المخلوع، في إطار ما يعرف بـ”الولاية القضائية العالمية”، التي تتيح محاكمة مرتكبي الجرائم ضد الإنسانية بغض النظر عن مكان وقوعها.
![]()