سوريا 360- إيثار عبدالحق
لم يكد بيان إقالة رئيس تحرير مجلة “اﻷسبوع اﻷدبي” يصدر عن رئيس اتحاد الكتاب العرب، حتى دخل اسم اﻻتحاد في أتون معركة متعددة اﻷطراف، سلاحها منشورات ومنشورات مضادة، ﻻ تركز على جزئية اﻹقالة وحدها، بل على “الكناسة” التي يصر اﻻتحاد حتى اليوم أن يخفيها تحت “سجادته” ليقول لكل من يدخل أروقته.. هاك بيتنا نظيفا!
أول ما يثير الانتباه في هذه المعركة، هو انقطاع حبل التواصل الرسمي/ النقابي، وحتى الزملائي (المستمد من روح الزمالة) بين مختلف المتخاصمين والمتناقدين المتناقضين، واﻻستعاضة عن ذلك بمنشورات “فيسبوك“، والمثير أكثر أن اﻷمر بدأ من عند رئيس اﻻتحاد، “أحمد جاسم الحسين“، الذي استخدم صفحته لنشر نص إقالة رئيس تحرير “اﻷسبوع اﻷدبي”، نظرا لقيام اﻷخير “بمنع نشر إحدى المقالات المقدّمة من أحد الزملاء الكتّاب، يتعارض مع مبادئ حرية الرأي والتعبير التي تمثل جوهر ثورة السوريين وقيمها”.
تكذيب سريع
“الحسين” لم يسم رئيس التحرير المُقال، ولا “الزميل” الذي تم منع مقالته، لكنهما لم يلبثا أن عرفا بنفسيهما خلال دقائق، حيث انبرى “حسن قنطار” بعد برهة من منشور عزله، للقول: “أقسم بالله العظيم أنني بريء من هذا الادعاء، وأن رئيس الاتحاد هو من منع نشر المقال”، ثم تبعه “محمد منصور” الذي اختار أيضا حسابه ﻹيصال رسالته، قائلا: “للأسف الكلام (كلام رئيس الاتحاد) عار عن الصحة، من اتخذ قرار المنع هو رئيس الاتحاد نفسه د. أحمد جاسم الحسين، وأبلغني عن طريق رئيس تحرير الأسبوع الأدبي أن بإمكاني نشره في أي مكان”.
وهكذا اتضح للجمهور سريعا، من هو المعزول من رئاسة التحرير، ومن هو صاحب المقال المحجوب، واتضح معه أن اﻻتحاد على باب الدخول في أزمة، إن لم يكن قد دخل فيها أصلا، شعارها: فلتكن معركة على الملأ، ولنفتح الدفاتر.
اقرأ أيضا: رئيس اتحاد الكتاب لـ “سوريا 360”: حكمنا نظامنا الداخلي والمفصولون دافعوا عن مجرم قتل مليون سوري
ومن هذه الدفاتر، دفتر عضو المكتب التنفيذي “محمد سعيد محمد العتيق“، الذي نذر نفسه لتمجيد الطاغية اﻷكبر، والد المخلوع، ومدح جيشه، لكن فصله “غاب” عن رئيس اﻻتحاد الذي يرى “العتيق” أمام عينيه كل حين، بل إنه يشركه في العديد من نشاطاته وجوﻻته، وقد كان أجدر به أن يكون مع الدفعة الأولى من المفصولين، مثل رفعت اﻷسد وبثينة شعبان وبشار الجعفري وسواهم، ﻻ بل كان اﻷجدر أن يفصل “العتيق” قبلهم، فهؤﻻء كلهم “فارون” خارج البلاد، أو بعيدون كليا عن أروقة القرار في اﻻتحاد، أما “العتيق” فمكتبه ومنصبه وتأثيره في اﻻتحاد محفوظ.. بل ومصان طوال 3 عهود.
زوءام من صبا بردى!
العهد الأول، في زمن المخلوع، والعهد الثاني على زمن القيادة المؤقتة للاتحاد التي أعقبت سقوط المخلوع وترأسها “محمد طه العثمان“، والعهد الثالث هو العهد الحالي..، وﻻ ندري إن كان “العتيق” سيعتّق في منصبه لعهد رابع وخامس، أسوة بـ”القائد الخالد” الذي امتدحه في إحدى قصائده، قائلا: “ذا حافظ أسد الشآم ربيعها.. شهدت على مجد الأسود قرون”، وذلك في عز المقتلة السورية، ضمن مهرجان سماه المخلوع “سوريا اﻻنتصار” عام 2017.
ومواقف “العتيق” في تلميع المخلوع ومشايعيه، كثيرة، ومنها صداقته مع رموز من “حزب الله” مثل “الشيخ فضل مخدر“، الذي دعاه صيف 2018 إلى جنوب لبنان فلبى “العتيق” الدعوة بكل أريحية ليلقى الشعر بين يديه (مات “مخدر” قبل سنوات واعتبره الحزب “فقيد العلم والجهاد والمقاومة”)، وقبلها لبى “العتيق” دعوة “العراق” في أيار 2017، حيث ألقى عددا من القصائد “حييت فيها الجيشين العربي السوري والعراقي لأنهما لا يدافعان عن سوريا والعراق فحسب بل عن كل الوطن العربي والكون بتصديهما ودحرهما للإرهاب”، حسب تصريحه حينها.
“العتيق” الذي يقول إنه تربى على “الصوفية” في بلدته “مورك” الحموية، التي أذاقت المخلوع ذل الهزيمة مرات، وأذاقها التدمير والتهجير مرارا، لم يخجل ولو لمرة من تضحيات أبناء بلدته، وﻻ حتى محافظته “حماة“، بل ظل طوال سنوات مصرا على تمجيد الطاغية، كلما سنحت له سانحة، ومن ذلك تأكيده في “انتخابات” 2014 أن “لا بديل عن بشار اﻷسد كقائد تاريخي رفض المساومة وبيع الأرض والتراب”، ودعوته الصريحة لميلشيات القتل العراقية من أجل تقدم إلى الشام، حتى “تبقى وتبقوا”، وإلا فإن “الحريق سيمتد” إليهم، مشيرا في نفس الوقت إلى أن الشام محروسة بـ”آساد مربعهم عرين، كرائم محتد حق وصدق”، وذلك في قصيدة سماها “زوءام من صبا بردى دمشق“، معارضة ﻷحمد شوقي!
اقرأ أيضا: اتحاد الكتاب يستحدث وحدة خاصة بأدب الثورة
ومن المفيد التذكير بأن “العتيق” ابن الـ61 عاما، طبيب مختص في أمراض الدم والتشخيص المخبري، وقد عمل لأكثر من 20 عاما في السعودية، وعاد إلى سوريا في عز حرب المخلوع على الشعب، في اتجاه معاكس لملايين السوريين الذين يفرون منها، وفي هذا دﻻلة أخرى على أن “العتيق” لم يكن “مجبرا” على ما أقدم عليه.
مخصيون وشعارات ثورجية فارغة
وبالعودة إلى الصراع المحتدم على خلفية موضوع إقالة “حسن القنطار” ومنع مقالة “محمد منصور” من النشر، فقد عمد اﻷخير إلى نشر مقالته الممنوعة، ليوضح من خلال فعله أن صاحب المصلحة من حظر المقالة هو رئيس اﻻتحاد وحده، فقد اتهم “منصور” في مقالته تلك رئيس اﻻتحاد صراحة، بمخالفة قانون اﻻتحاد عندما أصدر قرارا لم يحز على عدد اﻷصوات الكافية، وتضمن إلغاء 4 مجلات، واﻻستعاضة عنها بمجلة واحدة وموقع إلكتروني.
وأبدى “منصور” في مقاله المحظور أسفه على أن يشهد “عهد التحرير إلغاء المجلات التي كان يصدرها الاتحاد ودمجها في مجلة واحدة… في رسالة تخل عن الثقافة التخصصية التي كانت المؤسسات الثقافية معنية بإيصالها للناس ودعمها”.
أما “قنطار” المقال من رئاسة تحرير “اﻷسبوع اﻷدبي”، فرغم كثرة من تضامنوا معه، فإنه لم يعدم قادحا في تاريخه، ومن ذلك التذكير بما كتبه سابقا عن “المخصيين” الذين “يلزمونك بشعاراتهم الثورجية الفارغة، ومن ثم يتهمونك بالزندقة ﻷنك فقط خرجت عن مفهومهم المخصي”.
وقد ذهب “قنطار” فيما قاله يومها أبعد: “تدخل لتصلي في المسجد تفاجأ بأنك يجب أن تصلي ركعتين سنة الثورة وتقرأ بالأولى سورة القاشوش وفي الثانية ماتيسر من سورة الساروت لتقبل صلاتك”.
خلاصة القول:
إن إخفاء “الكناسة” تحت سجادة البيت ﻻ يعني أنه نظيف، رغم أنه يوحي بذلك.
“قنطار” الإقالة فيما يخص رئيس “اﻷسبوع الأدبي” كان أولى منه “درهم” استبعاد “العتيق” وأمثاله.
اتحاد الكتاب مقبل على معارك كثيرة، نتمنى أن لا نكون مضطرين لفتح دفاترها.. معارك قد تذهب بما تبقى من صورته، التي شوهتها عقود الطغيان.. إن بقي أعضاؤه وعلى رأسهم رئيسه، مصرين على طريقة التراشق الحالية، وعلى حسابات ربما تأتي مصلحة الكتابة والكتاب في ذيلها.