سوريا 360 – محمد الحمادي
مشاهد عودة الدبلوماسيين المنشقين عن نظام المخلوع إلى مواقعهم في وزارة الخارجية، أعادت لأذهان السوريين الدبلوماسي الراحل “نور الدين اللباد“، رجل أيقونة لا يخاف في الحق لومة لائم؛ حضر في ذاكرتهم صادحا بصوت المسحوقين في عواصم الغرب وأمام السفارات، لا كلاعب محنك في أروقة وقاعات الدبلوماسية، لكن كثائر صدرته ساحات ثورة آمن بها ولم يدخر جهدا لإعلاء صوتها.
صوت المظلومين
غاب “نور الدين اللباد” عن مشهد العائدين إلى الخارجية، لكنه لم يغب عن وجدان السوريين، الذين حفظوا صوته عاليا جهوريا في ميادين باريس وجنيف وبرلين. هناك، حيث كان ناطقا بارعا باسم الثورة، تارة بالعربية وتارة بالفرنسية، شعرا وأدبا وسياسة، منددا بنظام دموي، وبالصمت الدولي الذي ترك السوريين يواجهون مصيرهم وحدهم.
يوم الانتخابات الرئاسية التي أجراها المخلوع في العام 2021، وقف “اللباد” مع مجموعة قليلة من الشبان، أمام السفارة السورية في باريس، لإيصال رسالة أن انتخابات وسط بحر من الدم هي انتخابات باطلة وغير شرعية ومن يعترف بها شريك في المقتلة.. قال لموظفي السفارة إن “وريثكم القاصر لا يمثل سوريا ولا يمكن إعادة تدويره لإن مصيره المحاكم ومزابل التاريخ”.
فرح ممزوج بالدموع
في الثامن من كانون الأول/ديسمبر، شارك السوريين فرحهم بسقوط المخلوع، حضر أول الناس إلى “ساحة الجمهورية” في العاصمة الفرنسية باريس، رغم أنه كان يحمل ألما عميقا طريّا، بفقدان فلذة كبده في المنفى قبل أقل من أربعة شهور.. ابنه الشاب “محمد” الذي كان يصفه بـ”الصديق المثقف الذي كتب للثورة أبدع الكلمات”.. ذلك الحزن لم يطفئ جذوة الأمل في قلبه، بل زاده إصرارا على أن يستمر في الدفاع عن حلم السوريين بالكرامة والحرية.
“اللبّاد” الذي كان ينتظر انتصار الثورة، ويحن إلى دفء الوطن بعد سنين طويلة من صقيع الغربة القسرية، عاد إلى وطنه وفي قلبه فرح مؤجل أصّر أن يعيشه في مسقط رأسه “الصنمين“.. عاد ليتنفس الحرية بين جدران منزله، وليسير في شوارع مدينته التي حفظت وقع خطواته وأصداء قصائده.. عاد هذه المرة ليس كسفير في بعثة دبلوماسية، بل كمواطن حرّ إلى وطن جديد ولد من رحم المعاناة، لكن يد الغدر سبقت الحلم ولم تمهله ليعيش فرحه كاملا؛ مشهد أحزن عموم أبناء الثورة واختصر مأساة جيل كامل من السوريين الذين دفعوا حياتهم ثمناً للحقيقة.
ناظم كلمات “من مفرق جاسم للصنمين.. حاجي تهلي الدمع ياعيني”، التي أصبحت تراثا حورانيا غير مادي، لم يكن يعلم عندما كتب كلمات هذه الأغنية أن الدموع ستختلط جزنا وفرحا وترافقه في أخر أيامه.. حزن فقد ابن في ريعان الشباب، وحزن رؤية وطن مدمر أعاده المخلوع إلى العصر الحجري، وحزن عيش مقولة “لا كرمة لمبدع في وطنه” بكل تفاصيلها.
![]()
اقرأ أيضا: اغتيال السفير “نور الدين اللباد” وشقيقه في الصنمين
كان أخر ما نشر على صفحته بعد عودته إلى سوريا:
وراء كل صخرة حكاية، ووراء كل حجر قصة منذ خمسةٍ وخمسين عاما هنا في هذا الغدير علمني جدّي السباحة، وهنا كنت أرعى معه قطيع الأبقار، أعرف كل الصخور صخرة صخرة وكل الحجارة حجرا حجرا ومسارب المياه والغدران وكيف كانت تسيل جوار القلب هسهسات الماء وكيف كان الرعد يعتصر قامته فتنهمر بوابات السماء بدمع سخي وأين كانت تقيل رفوف القطا وتملأ صدرها الصادي وكيف كانت تغرب شمسنا فوق السنابل، كم أنت كريمٌ يا الله…
عندما غادرت واليأس يملأ روحي كتبت:
هذي البلاد بعيدةٌ
ما عاد يوصلُ دونها دربُ
فتلفّتت عيني فلما باعدت
عني البيوت تلفت القلبُ
ها أنا الآن أعود بعد غربة مجملها أكثر من ثلاثين عاما ، أعود يا أمي لأقرأ الفاتحة على قبرك وقبر أبي وأقول.
قد عاد لي وطني وأغنيتي
قد عاد لي شوقٌ ولي قلبُ
قد عاد لي ما كان من حُلُمٍ
قد عادت الغدران والدربُ
ستعود أسراب القطا ل رحلت
ويعود يشدو مُدنفٌ صَبُّ…
لك الله ياحجارة الروح ..
بعد انتشار صور الدبلوماسيين العائدين كتب ابنه “سفان“: “يستذكرُ اليومَ أصحابكَ ذكراكَ وهم عائدونَ إلى بناءِ مجد ِ بلادهم من جديد، وبقيتَ في ذاكرتهم حتى آخرِ لحظة، وستذكركَ الأجيالُ القادمة جيلاً بعدَ جيل”، فيما كتب الدبلوماسي “أحمد شبيب“: “زملاء وأصدقاء في مبنى وزارة الخارجية خلال استقبال معالي وزير الخارجية والمغتربين السيد أسعد الشيباني لأبناء الخارجية الذين انحازوا للشعب.. نتذكر في هذا اليوم ونترحم شهيد المجموعة السفير نور الدين اللباد. ورحم الله وتقبل كل شهداء الثورة السورية”.
ذاكرة سياسية
لم يكن “اللباد” مجرد سياسي ودبلوماسي منشق، بل شاعرا وكاتبا ومترجما أغنى الذاكرة السورية والثورية بكتب ومقالات وأشعار ترجمها إلى العربية، ظل حتى أخر يوم في حياته مؤمنا بأن الكلمة أقوى من مدفع الطغيان. صاحب سيرة ستظل تروى بين السوريين كأحد الأصوات التي اختارت الوقوف مع الشعب لا مع السلطة. فالرجل الذي غاب عن قاعات الخارجية، بقي حاضراً في وجدان السوريين، رمزاً للشجاعة والوفاء والإصرار على قول الحقيقة حتى النهاية.
![]()