سوريا 360- أسامة مراد
مع استمرار الأزمة الاقتصادية وارتفاع معدلات التضخم، جاءت المراسيم الرئاسية الصادرة في حزيران يونيو الماضي لتمنح العاملين المدنيين والعسكريين في القطاع العام والمعاشات التقاعدية زيادة بنسبة 200% على الرواتب والأجور المقطوعة، في خطوة وصفتها الحكومة بأنها بداية إصلاح شامل لمنظومة الدخل.
ورغم أهمية هذه الزيادة، فإنها لا تزال بعيدة عن تلبية الحد الأدنى من احتياجات الأسر السورية.
بحسب تقديرات محلية، تبلغ كلفة المعيشة الأساسية لأسرة مكونة من خمسة أفراد نحو 7.1 ملايين ليرة سورية شهرياً، أي ما يعادل 645 دولاراً تقريباً، بينما يغطي الحد الأدنى للأجور الجديد نحو 10% فقط من هذه الكلفة.
أسباب التضخم
الخبير الاقتصادي “توفيق الياسين” قال لـ”سوريا 360” إن “الزيادة الأخيرة، رغم رمزيتها، لا تكفي لتغطية الاحتياجات الأساسية، ما لم تترافق مع إجراءات صارمة لضبط الأسواق وتقليص أرباح التجار التي تصل أحياناً إلى 200%”. ويشير إلى أن التضخم المحلي ليس نتيجة مباشرة لزيادة الرواتب، بل يعود إلى ضعف الرقابة، واحتكار المواد الأساسية، وارتفاع تكاليف الاستيراد بفعل العقوبات وسعر الدولار المرتفع.
من جانبه، يعتبر الاقتصادي “شادي الموسى” أن خطة الحكومة لرفع الرواتب على ثلاث مراحل “خطوة إيجابية نحو إصلاح مستدام”، مشيراً إلى أن عدم اللجوء إلى التمويل بالعجز يعكس ضبطاً مالياً يقلل من مخاطر التضخم. لكنه يحذر من أن التضخم التراكمي منذ عام 2011 يجعل أثر الزيادة محدوداً ما لم تُعزز بسياسات رقابية فعالة.
وذكر “الموسى” لمنصتنا أن التركيز على قطاعات مثل الصحة والتعليم والقضاء قد يسهم في تحسين جودة الخدمات العامة، لكنه يشدد على ضرورة توسيع الزيادات تدريجياً لتشمل جميع القطاعات الحكومية، إلى جانب تحديث جداول الأجور بشكل دوري لمواكبة تغيرات الأسعار وسعر الصرف.
التدرج في الزيادات
في السياق الاجتماعي، يشير الباحث في علم الاجتماع “بكري قناطري” لـ”سوريا 360″ إلى أن “الزيادة تهدف إلى تحسين حياة الموظفين في القطاعات الحيوية، لكنها يجب أن تترافق مع برامج دعم اجتماعي مستدامة للأسر”. ويوضح أن الفارق الكبير بين الحد الأدنى للأجور واحتياجات الأسرة يعني أن جزءاً كبيراً من الزيادة سيُستهلك فوراً في الغذاء والنقل والمشتقات النفطية.
![]()
اقرأ أيضا: الرقابة غائبة.. “سوريا 360” ترصد حركة الأسواق في درعا
ويؤكد “قناطري” على أهمية التدرج في تطبيق الزيادة لتفادي أي تأثير تضخمي، مع ضرورة فرض سقوف سعرية على المواد الأساسية لضمان وصول الزيادة إلى مستحقيها فعلياً.
ومنذ عام 2011، فقدت الليرة السورية نحو 20 ضعفا من قيمتها، وتراجع الحد الأدنى للأجور من 13 ألف ليرة (270 دولاراً آنذاك) إلى أقل من 20 دولاراً قبل الزيادة الأخيرة. وتشير بيانات اقتصادية إلى أن أسعار بعض السلع الأساسية ارتفعت أكثر من 300 ضعف، ما جعل راتب الموظف الحكومي لا يكفي سوى لأيام معدودة.
ويرى اقتصاديون أن الحكومة السورية تحاول عبر خطة رفع الأجور ترميماً لما دمرته سنوات من السياسات النقدية غير المستقرة، لكن الطريق نحو تحقيق توازن حقيقي بين الدخل والأسعار ما زال طويلاً. وبين تفاؤل رسمي بتحقيق استقرار نسبي في الرواتب، وتحذيرات من استمرار الضغط على الأسر الفقيرة، تبقى قدرة الرواتب الجديدة على تحسين حياة السوريين محدودة ما لم تُعزز بسياسات شاملة لضبط الأسواق ودعم الخدمات العامة الأساسية.
رفع الأجور
وتأتي الزيادات الأخيرة في الرواتب ضمن سياق اقتصادي واجتماعي معقد تعيشه سوريا منذ أكثر من عقد، حيث تسببت الحرب والعقوبات وتراجع الإنتاج المحلي في انهيار قيمة الليرة السورية، وارتفاع غير مسبوق في أسعار السلع والخدمات الأساسية.
وبينما كانت الرواتب الحكومية قبل عام 2011 تكفي لتغطية نفقات الأسرة لشهر كامل، باتت اليوم لا تكفي سوى لأيام معدودة، ما أدى إلى اتساع الفجوة بين الدخل وتكاليف المعيشة.
وتحاول الحكومة السورية الجديدة عبر خطة رفع الأجور ترميم ما دمرته سنوات من السياسات النقدية غير المستقرة وتفكيك منظومة الدعم، إلا أن هذه الجهود تواجه تحديات بنيوية تتطلب إصلاحات أوسع تشمل ضبط الأسواق، وتفعيل الرقابة على الأسعار، وتوفير برامج دعم اجتماعي مستدامة.
وفي ظل استمرار التضخم وغلاء الأسعار، تبقى قدرة الرواتب الجديدة على تحسين حياة السوريين محدودة، ما لم تُعزز بسياسات اقتصادية شاملة تضمن العدالة والاستقرار المالي والمعيشي لجميع المواطنين.
![]()