سوريا 360 – سامر المقداد
يرى رجل الأعمال السوري -الروسي “رائد الحلبي“، أن إعادة الإعمار في سوريا ما تزال تواجه عقبات جوهرية تتمثل في غياب الاستقرار الأمني والقانوني وضعف الإدارة، ما يجعل أي مشروع استثماري محفوفًا بالمخاطر. ويؤكد أن روسيا تمتلك القدرة لتكون الشريك الاقتصادي الأكبر لسوريا إذا توفرت بيئة آمنة وشفافة، مستدلًا بتجاربها الناجحة في مصر وتركيا. أما رأس المال السوري في الخارج، فيحمل خبرات واسعة وحافزًا وطنيًا قويًا، لكنه يحتاج إلى ضمانات قانونية وحوكمة فعالة تحميه من الفساد والنفوذ.
ويعتبر “الحلبي” الذي يشغل منصب ” رئيس “مجلس الأعمال الروسي العربي“، أن رجال الأعمال السوريين قادرون على بناء اقتصاد حر ومستقل إذا توفرت بيئة عادلة وقضاء نزيه، فالاستثمار في الوطن بالنسبة لهم ليس مجرد مشروع مالي، بل إرث للأبناء والأحفاد. ويشير إلى أن روسيا راغبة في الاستثمار الحقيقي في قطاعات الطاقة والزراعة والتعليم والصحة، شرط أن تكون العقود شفافة ووطنية، كما يرى أن العلاقة بين موسكو ودمشق تحوّلت من تبعية إلى شراكة مصلحية، وأن روسيا باتت تدرك ضرورة الحل السياسي المتوازن.
وأقرّ “الحلبي” المقيم في موسكو، بأن روسيا أخطأت بدعم النظام المخلوع، لكنها تعلمت من التجربة وتسعى اليوم لأن تكون وسيطًا ضامنًا لوحدة سوريا، مشددا على أن استقرار سوريا هو مفتاح الاستثمار الأفضل لروسيا، داعيًا إلى قيادة وطنية صادقة تفتح صفحة جديدة من الشراكة والبناء.
فيما يلي الحوار الذي أجرته “سوريا 360“، مع رجل الأعمال السوري الروسي “رائد الحلبي”:
ما العقبات الحقيقية أمام انطلاق مشروعات إعادة الإعمار في سوريا؟ وهل ترى للشركات الروسية دورا مستقبليا فعليا؟
العقبة الجوهرية تكمن في غياب الاستقرار والضمانات، إلى جانب ضعف الإدارة. فلا يمكن لأي مشروع أن ينطلق بثقة دون أمن عسكري، وقضاء نزيه، وحوكمة واضحة. روسيا تمتلك القدرة لتكون الشريك الاقتصادي الأكبر لسوريا، إذا توفرت بيئة مستقرة ومصالح استراتيجية تجعل من سوريا نقطة انطلاق نحو محيطها. ويكفي أن نعلم أن الناتج القومي الروسي يعادل الناتج الكلي لدول الخليج لعام 2025، بنحو 2.2 تريليون دولار. روسيا قدمت لمصر 25 مليار دولار من أصل 30 مليار تكلفة محطة الضبعة النووية، وتعمل فيها أكثر من 400 شركة روسية، فضلًا عن قطاع السياحة الذي يدر على مصر ما لا يقل عن 5 مليارات سنويًا. أما في تركيا، فتتجاوز الاستثمارات الروسية 35 مليار دولار، منها 25 مليار في محطة أكويو النووية، وقرابة 7 مليارات في خطوط الغاز والنفط، عدا عن الاستثمارات الخاصة.
![]()
اقرأ أيضا: روسيا تعيد رسم نفوذها في سوريا
ليس مجرد مشروع مالي
كيف يمكن لرأس المال السوري في الخارج أن يشارك في إعادة الإعمار دون أن تربكه حسابات الربح والخسارة؟ وهل سنرى استثمارات من أمثالكم قريبًا؟
رأس المال السوري في الخارج يحمل خبرات عالمية وحافزًا وطنيًا، لكنه بحاجة إلى بيئة قانونية عادلة، وإرادة سياسية حقيقية، وحوكمة فعالة. الاستثمار لا يمكن إلا أن يكون مجزيًا وبحاجة لضمانات تحميه من النفوذ والفساد، وإلا سيموت مع الوقت. الهبات تختلف عن الاستثمارات، وهي بحاجة إلى تكاتف قوى وطنية على الأرض لضمان استمراريتها.
ما الدور المتوقع لرجال الأعمال السوريين في الخارج؟ وهل يمكنهم بناء اقتصاد مستقل؟
كل مستثمر يبحث عن بيئة جاذبة، وخاصة في وطنه، حيث يكون التعامل مع أصحاب القرار أكثر سلاسة في ظل الشفافية والقضاء النزيه. الاستثمار في سوريا ليس مجرد مشروع مالي، بل إرث للأبناء والأحفاد، وهو أكثر استقرارًا من الإرث في الغرب. رجال الأعمال السوريون قادرون على بناء اقتصاد حر ومستقل، إذا توفرت الضمانات السياسية والقانونية التي تحميهم من الفساد والتدخلات.
روسيا والدور الوسيط
هل روسيا راغبة فعلًا في الاستثمار داخل سوريا؟ أم أن حضورها سيبقى محصورًا في قطاعات محددة؟
روسيا مستعدة لتقديم خطوط ائتمانية وضمانات، بشرط أن تكون العقود شفافة وواضحة، وأن تتوفر ضمانات وطنية حقيقية. للأسف، فقدنا بعض هذه الضمانات في المؤتمر اللاوطني والإعلان اللادستوري الذي لا يُحاسب أي طرف. روسيا قادرة على دعم سوريا في مجالات متعددة: الطاقة، النفط، المياه، الزراعة، التعليم، الصحة، والمساعدات الإنسانية كالقمح والأسمدة والأدوية.
كيف تصفون طبيعة العلاقة بين موسكو ودمشق بعد زيارة الرئيس أحمد الشرع؟ هل ما زالت علاقة تبعية أم تحوّلت إلى شراكة مصلحية؟
روسيا لم تتعامل مع النظام المخلوع بمنطق التبعية، رغم الدعم العسكري والمالي والسياسي الذي قدمته له على مدار 14 عامًا. لكنها دعمت التغيير العسكري في العام 2022 عبر المحور التركي–السوري، وساهمت في فتح باب التواصل العربي مع دمشق. هذا التحول نابع من تجربة روسيا المؤلمة في أفغانستان، حيث خسرت حليفها بعد تغيير الرئيس بالقوة. لذلك، سعت روسيا إلى الحوار، واستقبلت آلاف المعارضين، بهدف الوصول إلى سلطة مناصفة بين النظام والمعارضة.
كيف تنظرون إلى الذاكرة المؤلمة للدور الروسي في دعم النظام السابق؟
لا شك أن روسيا ارتكبت خطأ كبيرًا بدعم النظام، وكان عليها منذ البداية أن تتدخل لفرض حل عادل على الطرفين. طرحت هذا الرأي في روسيا مرارًا. الغرب أيضًا لعب دورًا سلبيًا بدفع المعارضة ضد روسيا. التدخل الروسي جاء بعد قطع طريق دمشق–حلب، وكان هناك خطر حقيقي بسقوط العاصمة في يد جماعات متطرفة، ما كان سيؤدي إلى مجازر واسعة، خاصة في صفوف الأقليات. الروس يقولون إنهم أنقذوا دمشق مرتين: الأولى عام 2015، والثانية نهاية 2024 بالضغط على بشار لمنع القتال داخل العاصمة.
![]()
اقرأ أيضا: زيارة”الشرع” إلى موسكو.. بين الواقعية السياسية وذاكرة الدم
هل روسيا مستعدة لمراجعة موقفها من الملف السوري؟ أم أن مصالحها الجيوسياسية ما زالت أقوى؟
رغم التعقيدات، روسيا لم تتبع سياسة خفية كما فعل الغرب. لم تصنع تنظيم الدولة، ولم تسعَ لتقسيم سوريا. في اجتماعات أستانا، كانت حريصة على تأكيد وحدة الأراضي السورية، وإلا لرأينا تركيا تستحوذ على الشمال الغربي، وإيران على الحدود الشرقية. روسيا قادرة على لعب دور الوسيط، إذا توفرت الإرادة السياسية من الطرفين.
سوريا الأم
هل يمكن أن تلعب موسكو دورًا مختلفًا في المرحلة المقبلة، كوسيط لحل سياسي؟
بلا شك، روسيا لم تكن صاحبة أجندات خفية كما فعل الغرب. لم تدفع بتنظيم الدولة، ولم تسعَ لتقسيم البلاد ووضعت خطوط عدم الاشتباك . عملت من خلال اجتماعات أستانا على تأكيد وحدة سوريا، وإلا لرأينا تقاسمًا جغرافيًا بين القوى الإقليمية. روسيا قادرة على لعب دور الوسيط، إذا توفرت الإرادة السياسية الحقيقية.
كيف تصفون علاقتكم بسوريا وروسيا؟ وأين تشعرون بالانتماء؟
سوريا تبقى الأم مهما تغرّب الإنسان. لا يمكن أن تخرج من القلب. لكن أحيانًا، الغربة تصبح ضرورة لتحقيق مستقبل أكثر استقرارًا، دون أن تعني التخلي عن الوطن.
لو أتيحت لكم فرصة مخاطبة صانعي القرار في موسكو، ماذا تقولون لهم عن سوريا؟
بصفتي رئيس مجلس الأعمال الروسي العربي، أقول للقادة الروس دائما: استقرار سوريا هو مفتاح الاستثمار الأفضل لروسيا. الشعب السوري محب لروسيا عبر التاريخ، ومتقبل لها أكثر من أي طرف دولي آخر سواء الغرب أو الشرق. أنتم قادرون على تقديم الكثير، بشرط أن تحيطوا أنفسكم بمستشارين وطنيين صادقين، لا فاسدين. وإذا استجابت السلطة القادمة في سوريا للتغيير الحقيقي، فستكون روسيا شريكًا في نهضة تاريخية، لا مجرد داعم لنظام مرحلي زائل. ولن تكرر روسيا أخطاء الماضي بدعم نظام شمولي جديد.
*من هو “رائد الحلبي”
الدكتور “رائد الحلبي”، رئيس مجلس إدارة نادي الأعمال الروسي العربي، وطبيب بشري ورجل أعمال مقيم في موسكو منذ أكثر من 30 عاما، وهو من أسرة سياسية سورية معروفة والده “محمد علي الحلبي”، رئيس مجلس الشعب ورئيس مجلس الوزراء وسفير سوريا لدى الإتحاد السوفيتي سابقا، مهتم في المجال السياسي، وعمل من داخل روسيا على تغيير الموقف الروسي لتؤيد المعارضة السورية وتحقيق التغيير المنشود.