سوريا 360– محمد الحمادي
اقترب الشتاء، وبلا شك ستعود معه مشاهد المآسي القادمة من المخيمات، التي ما زالت قائمة بعد شهور من هروب المخلوع ورغم كل الوعود بهدم أخر خيمة، ما دفع قاطنيها للتساؤل “هل هي مساكن مؤقتة بالفعل أم أنها باتت دائمة بحكم واقع مرّ يختزل حال وطن يحتاج لـ400 مليار دولار للنهوض من تحت ركام الحرب”.
برد وجوع وخيام غارقة في الوحل، هذا المشهد المعتاد على مدى 14 عاما، لكن هذه المرة ربما تكون المعاناة مضاعفة لأن التمويل الدولي تراجع بنسبة كبيرة خلال العامين الأخيرين، واستبقت وكالات الإغاثة الدولية قدوم الشتاء بالتحذير من أن “الاستجابة الإنسانية في سوريا تواجه أسوأ أزمة تمويل منذ عام 2011″، فيما عبر “برنامج الأغذية العالمي” عن أسفه لأنه “يجبر على تقليص الحصص الغذائية إلى النصف تقريبًا، ما يعني أن العائلات ستحصل على أقل من ألف سعرة حرارية يوميًا، وهو غير كافٍ للبقاء بصحة جيدة”.
“ماجد الزعبي” (54 عاما)، أكد أنه يتشوق للعودة إلى قريته في درعا، لكن براميل المخلوع دمرت منزله ولم تبق له إلا الأطلال، ولا يوجد مكان يأوي إليه مع عائلته في ظل الارتفاع الجنوني في أجرة العقارات.
غياب المنزل هو ما يمنع الشاب “محمود” (32 عاما) من مغادرة الخيمة أيضا، فهو لم يكن يملكه عندما غادر قبل 13 عاما عازبا، لكن اليوم برقبته 3 أطفال مع أمهم يحتاجون إلى بديل، وقال لـ”سوريا 360“: “أطفالي يحتاجون للخروج إلى الحياة، فمنذ تفتحت عيونهم وهم داخل الخيام ولا يعرفون شيئا خارج حدود المخيم”.
“المنظمة الدولية للهجرة“، اعتبرت في أحدث تقاريرها أن “أكبر تحدٍّ يواجه السوريين العائدين إلى مناطقهم، يتمثل في نقص فرص العمل والخدمات الأساسية”، مشددة على أن هذا الأمر يبين الحاجة الماسة إلى دعم دولي لمساعدة البلاد على التعافي.
![]()
اقرأ أيضا: نازحو شمال سوريا في مهب الرّيح ومناشدة عاجلة لإنقاذ سكّان المخيمات
معضلة مستعصية
في ظل عدم غياب خطط واضحة من الحكومة للتعامل مع المخيمات، وتأخر عجلة إعادة الإعمار بسبب العقوبات التي تحولت إلى ورقة ضغط سياسية، تبددت أمال قاطني المخيمات بإيجاد حل سريع لمعاناتهم، ويقول تقرير لـ”المنظمة الدولية للهجرة”، إن أكثر من 6.6 ملايين نازح سوري ما زالوا يعيشون في المخيمات، وتعتبر الأمم المتحدة في تقريرها الدورية أن ما يجري في المخيمات السورية يعد من “أكبر الأزمات الإنسانية في العالم المعاصر”.
الحاج “أبو سمير” (70 عاما)، أكد لـ”سوريا 360″، أن “الشتاء كابوس حقيقي، فالأمطار تحول الأرض إلى مستنقعات من الطين، والرياح تقتلع الخيام المهترئة. ومع غياب الوقود ووسائل التدفئة، يتجمّد الأطفال في الليالي الطويلة”، مضيفا: “لا يوجد وسائل تدفئة آمنة، نضطر لحرق البلاستيك والنفايات. الدخان يخنقنا ويبقينا طوال الشتاء نعاني من ضيق التنفس”.
مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA)، شدد على أن أكثر من 80% من المخيمات تفتقر إلى مصادر طاقة آمنة، ويُعتمد على وسائل بدائية تسبب أمراضًا تنفسية مزمنة وتلوثًا بيئيًا حادًا.
العامل الإنساني في منظمة “معا لبناء سوريا“، محمد المحمد، أوضح لـ”سوريا 360″، أن الأمر لا يقتصر على برد الشتاء وقلة الطعام، بل إن المخيمات لا يوجد فيها شبكات للصرف الصحي والمياه النظيفة، ما يجعل الأمراض الجلدية والتنفسية منتشرة بشكل واسع، خاصة بين الأطفال.
واعتبر أن قاطني المخيمات “يشعرون بمرارة أنهم تركوا يتعايشون مع مأساتهم، كأنهم في منفى بعيدون عن احتفالات الوطن بالنصر وحتى عن اهتماماته في الحملات الأهلية التي انتشرت من درعا جنوبا حتى إدلب شمالا.. كانت قضيهم غائبة”.
مخيمات تشيخ فيها الطفولة
الخاسر الأكبر من حياة المعاناة هذه هم الأطفال، وفق المدرس في أحد مخيمات الشمال “محمود السلامة“، الذي قال لـ”سوريا 360″، إن “المحدق في عيون التلاميذ يرى فيها أكثر مما يستطيع طفل أن يحتمل. وجوه صغيرة أنهكتها الهموم قبل أوانها، وابتسامات تختفي خلف الخوف والجوع.”
وأضاف “السلامة” بحرقة: “أطفال المخيمات لا يفكرون في اللعب كما يفعل غيرهم، بل في الخيمة التي قد تسقط بسبب المطر، أو في الطعام الذي ربما لا يجدونه بعد عودتهم. يفكرون كيف سيذهبون للعمل أو للبحث عن حطب يدفئ خيامهم المهترئة”.
وختم بالقول: “بعضهم يسألني: لماذا لا نعود إلى بيوتنا؟ لا أجد جواباً يشفي قلوبهم الصغيرة.. أطفال المخيمات لا يحتاجون فقط إلى كتب أو صفوف مؤقتة، بل إلى من يقول لهم إن المستقبل ما زال ممكناً. إنهم جيل ينتظر من يعيد إليه الحلم”.
![]()
اقرأ أيضا: معاناة اللاجئين في المخيمات
وفق تقارير أممية، يشكل الأطفال أكثر من 60% من سكان المخيمات السورية، كثير منهم لم يعرفوا سوى حياة الخيام، لم يذهبوا إلى المدرسة، ولم يلعبوا في ساحةٍ آمنة.
وكشف تقرير صادم لمنظمة “أطباء بلا حدود” صدر في عام 2025 أن أكثر من 60% من الأطفال في المخيمات يعانون من سوء تغذية بدرجات متفاوتة، وأن الخدمات الصحية غير كافية لتلبية الحد الأدنى من احتياجات السكان، فيما أكدت منظمة “يونيسف” أن أكثر من 2.4 مليون طفل في سوريا خارج التعليم، وأن آلافًا منهم في المخيمات يفتقرون إلى فرص تعليمية أو دعم نفسي. وتضيف المنظمة أن “جيلًا كاملًا مهدد بالضياع إن لم يُتح له التعليم والحماية”.
غياب الأمل بالمستقبل
قضية التهجير القسري التي شهدتها سوريا، بسبب حرب المخلوع تعد من أكبر مآسي الكوكب، عجزت أمامها منظمات وبرامج الأمم المتحدة، هذه المأساة خلفت جيلا كاملا يعرف أن حدود الكوكب تقف عند أطراف المخيم، تشرب مرارة الحياة منذ أن كان في مهده صبيا.. جيل وُلد على هامش الحياة، ولم يعرف من الوطن سوى اسمه، كبر وهو يحلم بسماءٍ لا تمطر.. جيل لا يزال يبحث عن شمسٍ تشرق خارج أسوار المخيم.
الباحثة الاجتماعية “ميسم البردان“، أكدت لـ”سوريا 360″، أن قاطني المخيمات بحاجة لتدخل على نطاق واسع لمعالجة أثار التهجير القسري، وقالت إن قاطني المخيمات يعيشون تحت وطأة ضغوط نفسية كبيرة بسبب الاقتلاع القسري من مناطقهم الأصلية، وما يرافقه من فقدان للمأوى والأمان والشعور بالانتماء، ضاعف المشهد ظروف معيشية قاسية مثل الازدحام ونقص الغذاء، والمياه، والرعاية الصحية، والتعليم.
“البردان” حذرت من أن “الحرمان المزمن وتجاهل الاحتياجات الإنسانية، يولد شعوراً بالإحباط والعجز وفقدان القيمة الذاتية، يترافق مع غياب الأمل بالمستقبل، نتيجة طول أمد الإقامة في المخيمات دون حلول جذرية أو آفاق واضحة للحياة المستقرة”.
![]()