سوريا 360- فريق البحث والتحري
هذا التقرير بمثابة بلاغ عام إلى الجهات المعنية بتعيين رؤساء الوحدات اﻹدارية، وتلك الموكلة باختيار وتزكية المرشحين لمجلس الشعب القادم.
لعل من أصدق اﻷوصاف التي أطلقت بحق حافظ اﻷسد أنه كان “ضابط مخابرات بوظيفة رئيس جمهورية”، وعليه لم يكن غريبا أن يكون النظام الذي أرساه مليئا بالمخبرين، على مختلف المستويات، فهناك مخبر بوظيفة مدير عام، ومخبر بوظيفة رئيس نقابة، ومخبر بوظيفة رجل دين، ومخبر بوظيفة بائع…. وهكذا إلى نهاية السلسلة التي بناها حافظ اﻷسد بعناية شديدة.
لم يكن ذلك غريبا مطلقا حينها، لكن الغريب أن نجد في سوريا ما بعد المخلوع مخبرا مشهودا له، يتسنم رئاسة مجلس مدينة لها وزنها وحساسيتها، ويطمح ليكون ممثلا للشعب السوري في المجلس الجديد، بعد أن صار اسمه في قوائم المرشحين.
تقييم شهري
حديثنا بالتحديد عن رئيس مجلس مدينة القدموس “أمين أحمد جمول” الذي تثبت وثائق حصلت #سوريا_360 عليها حصريا، أنه كان ضمن قائمة المخبرين النشطين لصالح مفرزة أمن الدولة بالقدموس، لا بل إنه حظي بتقييم “جيد” من رئيس المفرزة (القسم 51/ 2).
الوثائق التي بحوزتنا تحوي 38 اسما لمخبرين وزعهم قسم “أمن الدولة” على مختلف القطاعات، وقد وردت بياناتهم ضمن التقييم الشهري الذي رفعه رئيس القسم إلى مدير فرع أمن الدولة في طرطوس (الفرع 345) وذلك بناء على تعميم صدر في تشرين أول 2022، يلزم الفروع والمفارز اﻷمنية بتقديم “مفصل هوية بالمصادر المعتمدين مع تقييم شهري دوري لهم”.
وثيقة التقييم التي بين يدينا، يعود تاريخها إلى الأول من حزيران 2024، أي قبل سقوط المخلوع بنحو 6 أشهر، ما يعني أن “جمول” وغيره من معظم المخبرين، والمخبرات أيضا!، استمروا بأداء المهام الموكلة إليهم حتى لحظة السقوط، وأنهم ليسوا مخبرين عابرين، أو مخبرين سابقين، تقاعدوا أو أقيلوا.
وقد ذكر اسم “جمول” أيضا في أكثر من وثيقة صادرة عن مفرزة أمن الدولة في القدموس، منها واحدة تذكر رقم جواله، الذي لا يزال يستخدمه حتى اليوم!
تقرير لرفع تقييم شهري لعملاء الأسد
جاسوس على طائفته
يضم جدول المخبرين عدة حقول.. أحدها مخصص للاسم الثلاثي، يليه حقل مخصص لاسم اﻷم، ثم حقل لمكان وتاريخ الوﻻدة (القرية أو المدينة، التاريخ، رقم الخانة) ثم الحقل اﻷساسي الخاص بتقييم المخبر، وأخيرا حقل الملحوظات، وقد عمدت #سوريا_360 إلى “تمويه” الحقول التي تحوي اﻷسماء الكاملة وأسماء اﻷمهات وجزءا من خانة مكان الميلاد، ﻷن منصتنا ستعود إلى الوثائق لاحقا لتعرض أسماء ونماذج أخرى من المخبرين.
يرد اسم “أمين أحمد جمول” بجانب الرقم المسلسل 24، مع تقييم “جيد” وملحوظة توضح أن نطاق عمله هو “الوسط اﻹسماعيلي”.
وفيما كان تقييم بعض المخبرين سلبيا، يشير إلى “تراجع أدائه” أو يوصي باﻻستغناء عنه، أو ينعته بأنه “غير متعاون”.. فقد حظي “جمول” بتقييم “جيد”، ولم يتقدم عليه سوى شخص يرأس “الرابطة الفلاحية“، نال تقييم “جيد جدا”.
هذا بالنسبة لما تثبته الوثيقة الرسمية عن تعاونه الوثيق مع مخابرات المخلوع، أما صورة “جمول” في مجتمعه، وخاصة بين أبناء طائفته، فإن تشبيحه ﻻ تكاد تخطئه عين.
جدول تقييم العملاء من أمن الدولة – 1
التخفي صنعته
أحد مصادرنا الخاصة، قال إن “جمول” كان عضوا عاملا في حزب البعث، وكان تأييده وتمجيده لبشار اﻷسد وزوجته أسماء فاقعا لدرجة كبيرة عبر منشورات، أزال معظمها، كما فعل كثير من أشباهه.
لكن اﻷمر لم يقف عند ذلك، فلشد ما بارك “جمول” مجازر المخلوع وجرائمه، بما في ذلك الكيماوي، وكان يذهب في هذا إلى حد التأكيد أنه لولا العاهة التي في رجله لكان أول من يقاتل في الجبهات.
وقد كافأه المخلوع على ذلك بأن عينه عضوا في المكتب التنفيذي لمجلس مدينة القدموس، وبقي فيه سنوات حتى سقوط النظام.
يقول مصدرنا الخاص، إن مجتمع القدموس كان على علم ودراية بتشبيح “جمول” الدائم وبسلاطة لسانه وحدته وهو يشبح، لكن أحدا لم يتخيل أن تكون “الخسة” قد بلغت به ليكون خادما مطيعا وجاسوسا للمخلوع على طائفته وأبناء منطقته، الذين ينظرون لمن يقوم بذلك نظرة احتقار، ولا يترددون في اﻻبتعاد عنه.
لقد نجح “جمول” في إخفاء عمله التجسسي عن مجتمعه، ولولا سقوط المخلوع وما ترك خلفه من وثائق، لما كان ﻷبناء القدموس أن يعرفوا أن رئيس مجلس مدينتهم الحالي، ليس سوى مخبر، ينتظر كل شهر تقييم رؤسائه وراهم عنه.
هذا التخفي مارسه “جمول” باحتراف، فعقب سقوط المخلوع بقي فترة ﻻ يبرح فيه باب داره، حتى الطعام كان هناك من يحضره له، وفي هذا دلالة على خوفه من انكشاف أمره، ولكنه وبحس “المخبر” عاد فخرج من بيته لما لمس من “أريحية” لدى الإدارة الجديدة وأجهزتها، وصلت أحيانا حد التساهل.
جدول تقييم العملاء من أمن الدولة – 2
تبرع
خرج “جمول” ﻻ ليعيش كإنسان عادي، بل ليتصدر المشهد، ويتشدق بإيمانه بالثورة وببناء الدولة الجديدة.. وما هي إﻻ أشهر، حتى تم تكليفه رئيسا لمجلس مدينة القدموس، أواسط حزيران الماضي، خلفا لرئيس مجلس المدينة المستقيل.
ومن موقعه الجديد، بات “جمول” اﻵمر الناهي فيما يخص كثيرا من شؤون المدينة، ومن بينها ترشيح وتزكية اﻷشخاص المؤهلين للالتحاق بقطاعات مختلفة، مثل: الدفاع المدني، والهلال اﻷحمر.. وللإدارة الجديدة كما ﻷبناء القدموس أن يتخيلوا، ماذا يعني أن يقوم شخص يحمل تاريخ “جمول” بهذه المهام.
“جمول” الذي يحمل للمفارقة إجازة في الصحافة، وله سنوات خدمة طويلة في القطاع الصحي، لم يكتف بذلك، فبانتهازية “المخبر” من جديد واصل تسلق السلم، ونجح في إدراج اسمه بين المرشحين المقبولين و”المزكين” للتنافس على مقاعد مجلس الشعب عن محافظة طرطوس، حيث ورد ضمن مرشحي دائرة “بانياس“.
ولعل من آخر محاوﻻت “جمول” لتلميع نفسه والتغطية على تاريخه المخجل، قيامه بتاريخ 8 أيلول الجاري، بـ”التبرع” لصالح صندوق التنمية السوري بمبلغ 25 مليون ليرة سورية، أي ما يقارب 2250 دوﻻرا، باسمه الصريح مع مسماه الوظيفي (رئيس مجلس القدموس)، ويحق للجميع أن يتساءل هنا عن مصدر هذا المبلغ، وهل يمكن أن يكون من “عائدات” عمله مخبرا و”عواينيا” لدى المخلوع، وإن كان كذلك فما أصعب أن “يتفضل” السارق والجلاد على الضحايا بما سرقه منهم.
تقسيم
دفعتنا ملحوظة “الوسط اﻹسماعيلي” الواردة في وثيقة المخبرين، لمحاولة تصنيف المخبرين المدرجين حسب اﻻنتماء الطائفي لهم، فوجدنا أن هناك 5 من “الوسط اﻹسماعيلي”، و2 من “الوسط السني” و31 من “الوسط العلوي”، وذلك من إجمالي المخبرين البالغ 38 مخبرا ومخبرة.
اللافت ليس فقط حرص مخابرات المخلوع على انتقاء أناس من “الوسط اﻹسماعيلي” للتجسس على أبناء طائفتهم، لا بل تقسيمها مهام التجسس بدقة، حيث خصصت “جمول” للتجسس على اﻹسماعليين، ومخبرا آخر للتجسس على “اﻵغاخانيين”، الذين هم جزء من اﻹسماعيليين.
وحتى نفهم الوضع تماما، استعنا بمصدر خاص، أوضح لنا أن “المومنية” و”اﻵغاخانية” كلاهما من الطائفة اﻹسماعيلية، وإن كان هذا التقسيم موجودا فهو في الحقيقة ﻻ يعكس تضادا، بقدر ما يعكس تنوعا، حتى أننا نجد داخل البيت الواحد من هو “مومني” وله أخ “آغاخاني”، والخلاصة أن الفريقين يعيشان بتفاهم وسلام دائم، وكلاهما منضويان تحت راية الطائفة.
تنويه:
قبل دفع هذا الخبر للنشر بوقت قصير جاءنا خبر عن أن اعتراض أشخاص من “القدموس” على وضع اسم “جمول” ضمن مرشحي مجلس الشعب، قد تم قبوله، وتم شطب “جمول” فعليا من القوائم.