نضال حمادية- حصري
مساء يوم السابع من نيسان (ذكرى تأسيس حزب البعث) عام 2018، قرر النظام الحاكم تحت غطاء هذا الحزب أن يعيد استعراض عضلات سلاحه المحرم على الناس المحاصرين في الغوطة ودوما تحديدا، ليذكرهم برائحة الموت اﻷصفر الذي استنشقه أحباء وأقارب لهم في آب 2013، يوم المجزرة الكيماوية اﻷكبر في تاريخ سوريا.
وكما كانت “عناية” النظام منصبة على قتل أكبر عدد ممكن ممن قصفهم ذلك المساء، كانت عنايته بتأليف وإخراج “مسرحية الكيماوي” التي سيحضر العالم جزءا بسيطا منها، دون أن يكون لديه إلمام بخفاياها.. كواليسها و”البروفات” المارثوانية التي خضعت لها.
في هذا التقرير، ستقدم #سوريا_360 لقرائها رواية مفصلة لتلك “المسرحية” تأخذها مباشرة من فم أحد “المشاركين” الفاعلين فيها، والذي يواجه حتى اليوم اتهامات بكونه “مزورا” للحقائق ومغطيا على جريمة كيماوي 2018.
سامحونا
سيروي لنا رئيس شعبة الهلال اﻷحمر بدوما “أحمد الساعور“، كل شيء تقريبا، وبطريقته التي يمكن تسميتها “من طق طق إلى السلام عليكم” لشدة حرصه على ذكر أصغر التفاصيل.
ومن أول ما يبدأ به “الساعور” حديثه، تأكيده أنه لم يستطع هو وزملاؤه أن يشاركوا فعليا في إسعاف ضحايا مجزرة 2018، ذلك ﻷن النظام كان قد قصف قبل المجزرة مركز الهلال في دوما وحرستا فدمره وأخرجه عن الخدمة.
ولم يكد يمضي سوى يومين أو ثلاثة على المجزرة، حتى فتح النظام بابا ﻹخلاء أصحاب الحاﻻت الحرجة، وكان والد “أحمد الساعور” من بينها، وكان من المعتاد في تلك عمليات أن تحمل سيارة اﻹخلاء الحالات إلى حاجز النظام، وهناك يتم “استلام” الحالات، وتعود السيارات القادمة من الغوطة أدراجها بمن فيها من طواقم.
في ذلك اليوم، وﻷمر ﻻ يعلمه “الساعور”، طلب الضابط المسؤول عن الحاجز من محدثنا ومن الطبيب “ياسر عبد المجيد” أن يسلما ما لديهما لسائق سيارة اﻹسعاف الذي سيرجع لدوما، ﻷنهما سيبقيان في “ضيافة” الحاجز لساعات.

وبالفعل استوقف النظام “الساعور” لمدة 5 ساعات على الحاجز، تخللتها عملية استجواب وأعقبتها مقابلة تلفزيونية، ليردد فيها عبارات تعزف على وتر “حب الوطن” و”الترحيب بالجيش”، وهنا اعتقد الرجل أن دوره قد انتهى وﻻ بد أن يسمح له النظام بالعودة إلى مدينته.
لكن النظام رأى أن “الساعور” عاش سنوات طويلة في الغوطة وأنه سيكون صيدا ثمينا ليدلي بشهادة قد تجمل وجه النظام أمام المجتمع الدولي وتنفي عنه تهمة مجزرة الكيماوي اﻷخيرة.
وهكذا اقتيد “الساعور” إلى فرع الخطيب في دمشق، وقبل أن تتم مصادرة هاتفه المتنقل، نجح في أن يرسل رسالة إلى “مجموعة” فيها ناشطون ثوريون يطلب منهم أن يسامحوه ﻷنهم سيرونه على شاشة التلفزيون يردد أقوالا لن يسعدهم سماعها.
فيل يطير
في “فرع الخطيب” سيقف “الساعور” مجددا أمام الكاميرا، التي سيقف أمامها عشرات المرات لاحقا، ليسجل رواية توافق ما يريده النظام، لكن أحد الضباط الحاضرين سيضحك أثناء كلام “الساعور” ولاسيما عند عبارة “حب الوطن” وسيطالبه بأن يستغني عن هذه العبارة ﻷنها مستهلكة وستفضح اﻷمر.
ويتذكر “الساعور”: طلب مني أن أتكلم ببساطة، وأعيد التسجيل عدة مرات، ولم تكن النتيجة النهائية مرضية لهم.
اقرأ أيضا: أهالي “دوما” يذكرون العالم بمجزرة الكيماوي
ومن المضحك المبكي أن الضغط على “الساعور” جعله يبكي في أحد المقاطع، وقد أعجب ذلك أحد الضباط، ورأى أن ﻻيتم قص هذه اللقطة، بل اﻻحتفاظ بها، وإبرازها على أنها “دموع الفرح بعودة دوما إلى حضن الوطن”.
بعد فرع الخطيب، تم احتجاز “الساعور” ووالده المريض ضمن إحدى الشقق التابعة للمخابرات في “كفرسوسة“، فيما كانت عملية تهجير سكان الغوطة تجري على قدم وساق.
وبدأت رحلة “الساعور” مع التنقل من فرع ﻵخر، وخلال ذلك عرف أن النظام اعتقل عددا كبيرا من طواقم الغوطة الطبية، يقارب 100 شخص، بعد أن كان يعتقد أنه الوحيد المعتقل مع الدكتور “عبدالمجيد”.
وذات يوم تم أخذ صور شخصية لـ”الساعور” ومضوا به نحو فرع “الخطيب” ليقضي هناك ليلته، بدل أن يعيدوه إلى بيت “كفرسوسة”.
![]()
وصباحا مضوا بـ”الساعور” مع آخرين نحو أحد اﻷسواق، واشتروا لهم ثيابا جديدة، من بينها بدلة رسمية، ثم اقتادوهم إلى حرم مطار دمشق مباشرة، حتى دون المرور بصالاته.
وهناك هبطت أمامهم طائرة قادمة من القاعدة الروسية في “حميميم“، وطارت بهم من دمشق إلى موسكو مباشرة، وصباح اليوم التالي تم نقل “الشهود الجاهزين”، وهم 14 شخصا، إلى وزارة الدفاع، حيث استمع ضباط روس لرواياتهم وأعادوا النظر فيها، وحاولوا تشذيبها حتى ﻻ تبدو مجرد أكاذيب سمجة، ومبالغات تشبه مقولة “الفيل يطير”.
رفض وخيبة
يتذكر “الساعور” أن بعض الضباط الروس كان يضحك ساخرا من بعض العبارات الواردة في تلك “الشهادات”، مع التأكيد على أن اﻹفراط في الكذب إلى حد نفي وقوع أي مجزرة سيكون من المحال تقبله بحضور وفد منظمة حظر السلاح الكيماوي، ولذلك كانت نصيحة الروس: تكلموا الحقيقة، ونحن سنرشدكم إلى طريقة قولها.. أي إننا سنلقلنكم كيف تلبسون الباطل لبوس الحق، بشكل يبرئ النظام أو يبعد الشبهة عنه، في أضعف اﻻحتماﻻت.
وعلى هذا اﻷساس كانت نصائح الروس لـ”الشهود”: تحدثوا ما شئتم عن قصف ودمار واشتباكات، ولكن إياكم أن تذكروا كلمة “كيماوي” على ألسنتكم!
اقرأ أيضا: خان شيخون تُحيي الذكرى الثامنة لمجزرة الكيماوي
رغم كل التحضيرات المراهقة التي انخرط فيها النظام والروس لتأليف وإخراج “مسرحية الكيماوي”، فقد جاء اليوم الموعود بما لم يخطر لهم على بال، فعند سوق “الشهود” إلى “ﻻهاي” للمثول أمام “منظمة حظر الأسلحة الكيماوية“، رفض أصحاب القرار في المنظمة الاستماع لهم، وقالوا إن هؤﻻء الشهود ﻻ يطابقون المعايير المعمول بها، ومنها أنهم لم يقدموا من جهة محايدة، ولا من دولة ثالثة، فهم شهود قدمهم النظام والروس، كما إن المنظمة هي عادة من تستدعي من تراه أهلا للشهادة.
حاول الروس والنظام مداراة خيبتهم الكبرى، عبر عقد مؤتمر صحفي أشرف عليه الروس، وكان “الساعور” وقتها تحت هول الصدمة: باﻷمس كنت في الغوطة أعاني، خسرت 3 من أشقائي و2 من أطفالهم، وتهجر بقية إخواني وأمي، واليوم أنا أقف ﻷروج اﻷكاذيب.. وفي غمرة تلك الصراعات الداخلية كان عليه أن يستجيب لأوامر السفير الروسي بالتحدث، فقال ما قال.
قلت “الحقائق” فقط
ومع ذلك يؤكد “الساعور”: مداخلتي كانت مدتها دقيقة وثانية، ولم أنف خلالها وقوع مجزرة الكيماوي، كما يقول من يهاجمونني اليوم.
وأضاف: أنا قلت يومها أني لم أسعف أحدا في يوم مجزرة الكيماوي، وتأكيدا على كلامي تلوت بيان “الهلال اﻷحمر السوري” الذي يعلن قصف مركزه في دوما وخروجه عن الخدمة، وقلت إن تدخلنا ذلك اليوم اقتصر على إسعاف الجرحى الذين وصلوا إلينا، وإن هؤﻻء كانوا مصابين إصابات حربية بينها كسور وحروق، ولم يكونوا يعانون أعراض التعرض لسلاح كيميائي، وكل هذا الذي أدليت به حقائق.
![]()
بعد المؤتمر العلني في “ﻻهاي”، اصطحب الروس “الشهود” إلى بعثة موسكو هناك، للمشاركة في مؤتمر صحفي آخر، لكن “الساعور” يؤكد أنه تملص من المشاركة فيه، بحجة اﻹرهاق.
تمت إعادة “الشهود” إلى روسيا في نفس اليوم، ومن بعدها إلى مطار دمشق ففرع الخطيب، تماما كما في رحلة الذهاب.
هذه المرة كان اللواء رئيس فرع الخطيب حاضرا بنفسه، مع العميد “سامر بريدي“، حيث تم لومهم ﻷنهم لم يؤدوا المطلوب منهم، ولكن لا مشكلة ﻷنهم سـ”يعوضونه” ﻻحقا، وفي النهاية تم الطلب من الشهود التوجه إلى أحد الفنادق للمبيت فيها بحجة “الخوف عليهم”.
وعادت “سبحة” مراجعة المخابرات، مع وعود بشطب مذكرات الملاحقات اﻷمنية، أما شطب مذكرات الطلب للخدمة العسكرية فلا، ﻷن “السيد الرئيس بنفسه خدم عسكرية”، كما قال اللواء بنبرة حادة.
اقرأ أيضا: خدم النظام بشهادة عن الكيماوي.. طبيب دوماني يكشف تفاصيل الحادثة بعد سقوط الأسد
تضامن مخيف
“تعويض” ما فاتهم في “ﻻهاي” الذي تكلم عنه رئيس فرع الخطيب، اتضح لاحقا أنه سيكون بمثول “الساعور” وغيره أمام لجنة تحقيق أممية تقيم في فندق “فورسيزون” وسط دمشق.
يؤكد “الساعور” أن كل شيء كان معدا مسبقا من النظام، وأن آخر خطوة كانت قيام عميد يدعى “سامر”، لكنه غير سامر بريدي، بدس جهاز تسجيل في ملابس كل من دخل ليدلي بشهادته أمام اللجنة اﻷممية.
في النهاية، رجع “الساعور” إلى دوما، وإلى عمله كمسعف في الهلال اﻷحمر، حتى خريف 2022، حيث تم قطع راتبه، وقبلها تم قطع الدعم عن مركز دوما، وبات “الساعور” يعمل بشكل تطوعي، وبلا راتب.
قبل سقوط النظام بنحو 6 أشهر، شغر منصب رئيس شعبة الهلال اﻷحمر بسبب ترقيه إلى مركز أعلى، فتم تكليف “الساعور” بتلك المهمة التي بقي يمارسها بشكل تطوعي ودون راتب أو تعويض، مشددا على أن لديه جميع اﻹثباتات على صحة كلامه، حتى إنه ما يزال لا يملك مكتبا رسميا، ﻷن مبنى الهلال في دوما كان بحاجة للتأهيل، وعندما تم تأهيل قسم منه، تم تخصيصه ليكون مركز إسعاف ومقرا لغسل الكلى.
أثناء إعداد “مسرحية الكيماوي” بقي “الساعور” عرضة ﻷمرين: اﻷول: مراجعة الفروع اﻷمنية والمراقبة اللصيقة منها (الخطيب، المنطقة، كفرسوسة، 215، جوية حرستا، السياسية)، والثاني: التصريح ﻷي صحفي موالي أو من روسيا في ذكرى مجزرة 2018 بل وحتى 2013.
في النهاية، سألنا “أحمد الساعور” الرئيس الحالي للهلال اﻷحمر في دوما، إن كان يشعر بتهديد جدي على حياته، كما كان يشعر قبل سقوط النظام، فقال إنه يشعر بذلك مع ما يواجهه اليوم من اتهامات بالمشاركة في تزوير الحقائق ومساعدة النظام على ترويج روايته بخصوص مجزرة الكيماوي 2018.
وفوق هذا التهديد، يشعر “الساعور” بالقلق من التضامن.. نعم يقلق من تضامن “زملاء” معه في هذه اﻷيام، ﻷن هذا التضامن يصله عبر الرسائل الخاصة، أما على “العام” فاﻷمر مختلف.