سوريا 360- أحمد زنكلو
زيارة الوفد الروسي برئاسة نائب رئيس الوزراء “ألكسندر نوفاك” إلى دمشق ليست مجرد جولة رسمية، بل إعلان عن مرحلة جديدة في إعادة صياغة النفوذ الروسي في سوريا، وتكشف التسريبات عن تركيز الطرفين على ثلاثة محاور استراتيجية تشكّل قاعدة لإعادة بناء الشراكة الروسية – السورية على أسس جديدة، مع مراعاة التحولات الإقليمية والدولية.
الأولوية الأولى: الطاقة والبنية التحتية
من أبرز الملفات التي وضعتها موسكو في صدارة أجندتها دعم سوريا في استعادة قطاع الطاقة الحيوي، وتأمين خطوط الحياة الحيوية لسوريا من الوقود، والمواد الغذائية، والأدوية. ويرتبط هذا التوجه بشكل مباشر بخبرة روسيا الفنية واللوجستية في قطاع الطاقة، إضافة إلى مشروع مشترك لإعادة تأهيل البنى التحتية الحيوية، ما يرسخ أبعاد التعاون الاقتصادي والسياسي بين الطرفين. وبحسب الخبراء، فإن دمشق تسعى إلى الاستفادة القصوى من القدرات الروسية لإعادة تشغيل حقول النفط والغاز ومصافي التكرير، ما يعزز موقف النظام السوري داخلياً وإقليمياً.
الأولوية الثانية: الأمن العسكري والتوازن الإقليمي
على الرغم من التحديات المتعلقة بالنشاط العسكري الإسرائيلي، يبدي الجانب الروسي استعداداً لتطوير التعاون العسكري مع سوريا بشكل متدرج، وتعزيز القدرات القتالية للجيش السوري وتدريب قواته، وتزويدها بأسلحة ومعدات متطورة. وفي الوقت نفسه، تتعامل موسكو بحذر مع ملف القواعد العسكرية، مؤكدة أن وجودها يرتبط بالخدمات اللوجستية داخل قواعدها في “اللاذقية” و”طرطوس“، دون الانخراط في العمليات الداخلية السورية، ما يعكس استراتيجية روسية لتثبيت نفوذها العسكري مع الحد من الاحتكاك الإقليمي. ومن بين أدوات التعاون الجديدة، تجربة تسيير دوريات روسية في مناطق محددة، بما في ذلك الشريط الفاصل في الجولان، لتعزيز الاستقرار وفرض التوازن بين الأطراف الإقليمية.
![]()
اقرأ أيضا: سوريا وروسيا: علاقات جديدة تقوم على الاحترام المتبادل
الأولوية الثالثة: الانخراط السياسي والدبلوماسي
في الجانب السياسي والدبلوماسي، تبرز أهمية مشاركة الرئيس السوري “أحمد الشرع” في القمة الروسية – العربية المزمع عقدها الشهر المقبل، ما يمكّن موسكو من لعب دور الوسيط الإقليمي، وفتح قنوات حوار مع الأطراف المختلفة، بما في ذلك إسرائيل والمكونات السورية المتنوعة. هذا التوجه يضع موسكو في مركذ اللعبة الإقليمية لتقديم نفسها كمنصة للتفاوض والتسوية الإقليمية، وربط الملف السوري بمبادرات أوسع على صعيد الشرق الأوسط.
آفاق التعاون المستقبلية
تتضمن المرحلة المقبلة ملفات متعددة لإعادة هيكلة التعاون بين موسكو ودمشق، تشمل الاقتصاد، والثقافة، والتعليم، والعلم، مع تأكيد موسكو على دعم تدريب الكوادر السورية في الجامعات الروسية، بما يعزز رأس المال البشري للنظام السوري ويؤمن قاعدة قوية لتطوير مشاريع استراتيجية طويلة الأمد.
زيارة “نوفاك” إلى دمشق لم تكن مجرد جولة دبلوماسية تقليدية، بل رسالة استراتيجية واضحة: روسيا تعيد ترتيب أوراقها في سوريا، مستثمرة قوتها الاقتصادية والعسكرية والدبلوماسية لفرض نفوذ مستدام. المرحلة المقبلة ستشهد تحولات حقيقية على الأرض، حيث تصبح العلاقة الروسية – السورية أنموذجاً للتنسيق الإقليمي الذكي بين القوة والسياسة، مع إبقاء موسكو لاعبا أساسيا، لا يثير حساسية باقي اللاعبين، في معادلات المنطقة.