سوريا 360ـ موسى الزعيم- برلين
تتجلّى أصالة الفنان في التزامه موقفاً أخلاقيا من قضايا مجتمعه وخاصّة في أحلك الظروف وأقساها ظروف الحرب والحصار، قد تختلفُ أدوات الابداع، لكن لا يختلفُ اثنان على أنّ للفنان المبدع دور في تأريخ وتأبيد اللحظة الفارقة من تاريخ وطنه وأمته، بأدواته الخاصّة والتي من خلالها يستطيع أن يكون العين المُبصرة لخفايا الواقع وبحساسيته العالية المُرهفة، يقتنص اللحظة ويودعها متن بياض القماش، عبر ألوان تبدأ ارهاصاتها من هناك من مخيلته البعيدة، كما الغيم المنبئ بالمطر يرسم على وجه الطبيعة لوحة من جمال.
الفنان “عمار سفلو” واحدٌ من ركائز الفنّ التشكيلي السوري في ادلب، له تجربته الخاصة، ورؤيته المتفرّدة فيما أعماله الإبداعية، التقيت معه وشاطرته الأسئلة والهواجس، التي تأخذنا في عوالم الفن التشكيلي.
البدايات والشغف
مكانتهُ وحضوره الفعّال في الحركة التشكيلية السورية، لما تمتلكهُ من رؤيا فنيّة مختلفة لها خصوصيتها في المشهد التشكيلي السوري، فيتحدث عن بداياته الفنيّة، وعن التأثير الذي استلهم منه تجربته الإبداعية، إن كان على صعيد المكان أو الموضوعات أو الناس، فيقول: “عن البدايات، طبعاً كانت كأيّ هاوٍ في المدرسة والدائرة المُحيطة، كالأهل والأقارب، ثم تابعتُ واجتهدت على تنميةَ موهبتي الفنيّة من خلال الدورات، إلى أن حصلت على الشهادة الثانوية، كانت أمنيتي أن أدخلَ كليّة الفنون الجميلة في دمشق، لكني لم أستطع تحقيق ذلك، لأسباب لم تعد تخفى على أحد. ويمكن أن نسأل السؤال التالي: لِمنْ كانتْ كليّة الفنون الجميلة أو المعهد العالي للفنون المسرحية؟!
![]()
اقرأ أيضا: الفنانة “مرح عبد العال”: الموهبة والفن في بلدان الاغتراب فعل مقاومة
طبعاً أي تخصص من هذه التخصصات يحتاج الدخول إليه إلى مقابلة، وفي “زمن الأسد” اجتياز المقابلة يحتاج إلى دعم وواسطة وما شابه ذلك. وهذا ما لم أفكر به. فتوجهت بشغفي للفنّ وموهبتي نحو المعهد المتوسط، فدرستُ الفنون التشكيلية، وفيه تلقيت خبرات فنيّة فيه كانت بداية طريقي أو الخطوة الأولى ضمن مسيرتي الفنيّة، التي أصريت على أن أتابعها في الفن.
فاطلعت على المدارس الفنيّة العالمية المختلفة وكذلك التجارب المحلية والعربية ودرستها بشكل فرديّ، واطلعت على التجارب السابقة، إلى أن تبلور أسلوبي الفنيّ بالشكل الذي تعرفونه، أمّا عن المُلهم الحقيقي لي فالفنان ابن بيئته ومجتمعه فالمعلم الأوّل للفنان هو الطبيعة والبيئة المحيطة والملتصقة به، فجميع موضوعاتي كانت تحت عنوان واحدٍ هو الانسان، وما يتعرض له من ظِلم وقهر وفقر وحروب.. حاولت أن أكون صوت هذا الانسان في كثير من تجلياته.
حالة ملحة
أمّا عن المعارض التي شاركت بها، يذكر الفنان التشكيلي “منذ العام 1996 وحتى اليوم شاركت في عددٍ كبيرٍ من المعارض على مستوى سوريا، فقبل الثورة شاركت بمعارض جماعية في جميع المحافظات، وكان معرضي الفرديّ الأول في المركز الثقافي العربي بإدلب في العام 2001 ، بعد ذلك توقّفت لفترة وأنا أبحث عن هويتي الخاصة أو شخصيتي المتفردة التي ستعكسها لوحاتي وأعمالي لاحقاً بعد أن تبلورت مدرستي و أسلوبي الفنيّ مع بدايات الثورية السورية، ورحتُ أعبّر عنها بكلّ ما أوتيت من فنّ ولونٍ، فشاركت بعدد من المعارض في إدلب واعزاز وعفرين ولا زالت أحمل رسالتي الفنية معبراً عن ناسي و ثورتي”.
وعن التأثير الفني للمدراس الإبداعية العالمية في لوحاته يقول “سلفو”: بالطبع فلكلّ مدرسة فنيّة خصوصيتها، إلاّ أنني تأثرت بمدرستين تركتا الأثر الأكبر على أعمالي الفنية وأسلوبي وهما التعبيريّة والتكعيبية، فحاولت أن استوحي من كليهما رؤيتي الخاصّة وأسلوبي المتفرّد، فكان مزيجاً بين التعبيرية والتكعيبية ومن هنا وُلدت هويتّي الفنية الخاصة والتي صارت مقرونة باسمي مباشرة.
![]()
اقرأ أيضا: في رسائل ثقافية وإنسانية.. “فيصل ذياب” يتجاوز جماليات الفنون البصرية
ولم يغادر الفنان مدينته إدلب خلال الحرب عاش قسوة ظروفها ورغم ذلك كان فعّالا في الحركة الإبداعية عن دور للفنّ التشكيلي – خلال فترة الحصار- دور الفنان المُلتزم في ملامسة القضية، وعن انعكاس ذلك في لوحاته يقول: الفنّ هو حاجة ملحّة، وليس ترفاً، فهو أداة تعبير، وأداة حرب، وأداة فكر، وهو فوق هذا كلّه ملمحُ جمالي إبداعي، طبعاً الحرب ومآسيها لم تغادر لوحاتي، بل على العكس كانت هي لوحاتي، وهي موضوعاتي طيلة سنوات الحرب، فهذه من ضمن رسالتي كفنان يعيش على الأرض التي يحبّها ويدافع عنها، وأدواتي بالطبع ريشتي وألواني، التي أوصل من خلالها رسائلي إلى العالم أجمع.
من صميم الحرب
وللفنان “سفلو” وجهة نظره في أن للفنّ واللوحة دور في مواجهة الحرب والخراب فهو يرى أن الفنّ أحد الوسائل الكثيرة في تسليط الضوء على قسوة الحرب وبالتالي ساعد الفنّ في ايصال صورة وصوت الخراب والمأساة إلى العالم، فكانت له مساهمات فعّالة حتى ولو لم تكن مباشرة.
![]()
لكن في الغالب ما يقرأ الناس صورة الحرب من اللوحات على المدى البعيد المهمّ أن اللوحة والفنّ خلّد وكشف للعالم هذا الخراب وكشف أيضا إرادة الفنان على الحياة في أقسى الظروف لأنه يبدع من صميم الحرب ومن خلال ظروفه المعيشية الصعبة.
أما عن واقع الحركة الفنية في سوريا بعد التحرير يقول: “آمل أن أرى حركة فنيّة تليق بسوريا الحضارة والتاريخ، بعد أن نالت حريتها من طُغاة كانوا مصرّين على تسيس كلّ شيء ومن ضمنها الفنّ وتجييره لمصالحهم ومصالح كراسيهم وامتيازاتهم.
ويضيف “عمار”، “على الصعيد الشخصي، فأنا مُستمر بفني مُحاولاً ايصاله إلى أقاصي الأرض إن استطعت، وموقع الفنان اجتماعيا لم يتغير إلاّ أنّه لا بد من وجود عوائق تمنع صوته أن يُسمع في كافة الظروف ومن ضمنها الحرب إلاّ أنّ الفنان الحقيقي لا ييأس، يظل يصرخ من خلال خطوطه وألوانه بأعلى صوته فلا بدّ أن يسمعه أحد”.
![]()