سوريا 360 – محمد الحمادي
لم تعد قضية توجيه الاتهامات للأغلبية السورية التي تعرضت لأبشع محارق التاريخ، مسألة طارئة أو عابرة يمكن التغاضي عنها، لأنها باتت ممنهجة مدعومة من أطراف لا تريد الخير للبلد المنهك بحمل بحر من الدماء. هذه الأطراف حاكت خططها بليل حالك السواد معلنة الحرب على الذاكرة، بغرض تشويه صورة فئة مذبوحة، فالمطلوب ليس توصيف الواقع، بل تزويره وطمس حقائقه الواضحة.. المطلوب أن تختفي صورة الأم المفجوعة أمام مشنقة صيدنايا، وفظائع المقابر الجماعية والمدن التي سويت بالأرض، واستبدالها بصورة متخيلة لـ”وحش سني يتعطش للدماء”.
شيطنة ضحايا المقصلة
منذ سقوط المخلوع وأهل السُنة يقفون في قفص الاتهام رغم أنهم لم ينتهوا من رحلة البحث عن عظام أبنائهم. تُرمى عليهم كل يوم تهمة “الإرهاب، الرجعية، التخلف، التوحش…”، إلى أن جاء الدور اليوم على مصطلح “الفاشية السُنيّة”؛ مصطلح شيطاني جديد، يسعى لتثبيت صورة نمطية في وعي الجمهور الحالي والأجيال القادمة أن “السُنة ليسوا مجرد طرف سياسي أو اجتماعي في المنطقة، بل مشروع يهدد الآخرين ويسعى لاجتثاثهم.
لعبة خطاب التزوير
المصطلح الجديد، أُطلق في ذكرى واحدة من أبشع المجازر الكيماوية في التاريخ الحديث، واعترافات مرعبة لسجاني “صيدنايا”، وكأنما الهدف أن تُطمس حقيقة أن الضحايا فيها كانوا من ذات الفئة المستهدفة، وأن يُستبدل خطاب الترحم بخطاب التشفي، حتى وصل الأمر ببعضهم إلى القول: “كان يجب على المخلوع أن يُبيدهم عن بكرة أبيهم”!
اقرأ أيضا: تضليل بلا حدود.. “رانيا العباسي”علوية قتلها السنة!
الغاية من مصطلح “الفاشية السُنيّة” ليست الوصف الواقعي، بل خلق عدو تخييلي يبرر استمرار العنف. هو محاولة لطمس الحقيقة وإعادة توزيع الأدوار: الجلاد يصبح ضحية بريئة تدافع عن نفسها، والضحية تتحول إلى “وحش متعطش للدماء”. لعبة خطابية قذرة، تستكمل عمل البرميل المتفجر بحراب اللسان المسمومة، وتحوّل الذاكرة المثقلة بالمجازر إلى مجرد رواية مشوهة.
الفاشية الحقيقية
هل عرف “السُنة” يوماً بالقتل؟ هل نظمت ميليشيات شرّعت المذابح، أو امتلكت أدوات دولة تسخّرها للمحرقة؟ سيقول البعض تنظيم “الدولة” وهم يعرفون جيدا أنه وجد لإدامة وصم السنة بالعار وتشويه صورتهم بخطة استخباراتية محكمة للقضاء على الثورة، ويعرفون أيضا أن 95% من جرائمه كانت بحق أهل السنة وما كان يجري في الرقة ودير الزور أكبر شاهد على هذا.
“السُنة” دفعوا ثمن وجودهم منذ عقود من مجازر حماة على يد حافظ الأسد وشقيقه رفعت، مروراً بسنوات السجون والمكابس، وصولاً إلى المقابر الجماعية التي تتكشف يوماً بعد يوم، لم يحترم مأتمهم من قبل كثير من أشقاء الوطن، ولم يتركوا لتضمد جراحهم، بل وضعوا في دائرة الاتهام وطلب منهم تقديم الاعتذارات والتبريرات.
اقرأ أيضا: بين”معاوية” و”عمرو بن كلثوم” والسني الكيوت؟!
في المقابل، لم يتردد كثير من دعاة العلمانية والمدنية، بالاصطفاف خلف طائفتهم وشيوخهم الذين باركوا قتل الأبرياء على مدى 15 عاما، الشيوخ ذاتهم الذين جلسوا مع قادة ميليشيات إيرانية طائفية عابرة للحدود جزّت رقاب أبناء السُنة. ومع ذلك، لم يجرؤ أحد من أبناء الفئة المستهدفة اليوم على وصف تلك الجرائم بأنها “فاشية” أو “إرهابية”.
“فاشية السُنة” الوحيدة اليوم هي وقوف الغالبية العظمى منهم مع بناء دولة واحدة موحدة تحترم الجميع وتحرم سفك الدماء ويتساوى فيها الجميع تحت سقف القانون، الفاشية الحقيقية لم تكن يوماً “سُنية”، بل الفاشية هي ذلك النظام الذي قتل، وشرّد، وأباد، وتلك العقلية التي ما زالت تسعى لسرقة حتى دموع الأمهات على أبنائهن.
سيف في خاصرة الضحايا
“الفاشية السُنيّة” ليست كلمة عابرة، بل سيف مسموم جديد يُضاف إلى ترسانة خطاب الكراهية. لكنها ستبقى عاجزة عن محو الوقائع، أن السُنة لم يحملوا مشروع إبادة، بل عاشوا الإبادة. لم ينشروا الموت، بل كانوا مادته الخام لعقود. فإلى متى ستظل السكين في رقبة الضحية، ثم يأتي من يتهمها بأنها من يرفعها؟ إلى متى ستبقى المقابر الجماعية شاهداً صامتاً، فيما ينشغل البعض باختراع مصطلحات هجائية جديدة لجلد من دفنوا فيها؟