إيثار عبد الحق – سوريا 360
بعد محطتها الأولى، التي تحدثت فيها عن القائم العام بأعمال السفارة السورية ببرلين “عبد الكريم خونده“، تطير بكم منصتنا اليوم إلى العاصمة الأممية في أوروبا “جنيف” السويسرية، حيث تعرفكم إلى واحد من أخطر فلول المخلوع في السلك الدبلوماسي، الذي ما زال في منصبه ممسكا بعدد لا يحصى من الملفات.
وإذا كان من المؤكد أن هناك سفراء وقناصل خدموا المخلوع وما زالوا على كراسيهم بعد سقوطه، فإن مما ﻻ جدال فيه أن السفير “حيدر علي أحمد” هو أكثرهم خطرا، نظرا لكونه مندوب سوريا وممثلها الدائم في مكتب اﻷمم المتحدة بجنيف، وفي جميع المنظمات الدولية، أي إنه عبارة عن مجموعة سفراء في شخص واحد.
الباقي المتمدد
“جنيف” هي بعد “نيويورك” في اﻷهمية اﻷممية، لا بل إن “جنيف” تكاد تتفوق لوجود عدد كبير من المنظمات الدولية، منها على سبيل المثال ﻻ الحصر: منظمة الصحة العالمية، منظمة الهجرة الدولية، منظمة التجارة العالمية، مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية، المفوضية السامية لشؤون اللاجئين، المفوضية السامية لحقوق اﻹنسان، منظمة العمل الدولية… وغيرها.
وقد تقصدنا ذكر “منظمة العمل الدولية” في ذيل القائمة، ليس ﻷنها اﻷقل أهمية أو ثقلا بين هذه المنظمات المتوطنة في “جنيف”، بل ﻷن آخر ظهور علني لسفير المخلوع الباقي المتمدد “حيدر علي أحمد”، كان خلال الدورة 113 لمؤتمر العمل العالمي المقام تحت مظلة المنظمة العمل الدولية.
ومن عجيب المفارقات أن تتمثل سوريا في هذه الدورة للمرة اﻷولى من 14 عاما، ويكون على رأس ممثليها دبلوماسي استمات كثيرا في الدفاع عن المخلوع وجرائمه، وبررها بشكل مقزز أمام الدورات المتعاقبة لمجلس حقوق اﻹنسان.
اللافت أكثر أن سوريا شاركت في المؤتمر المذكور بوفد ممثل من 3 جهات، وفد حكومي تقدمته وزيرة الشؤون اﻻجتماعية والعمل “هند قبوات“، وآخر نقابي تصدره رئيس الاتحاد العام لنقابات العمال “فواز الأحمد“، ووفد أصحاب العمل الخاص تقدمه رئيس غرفة تجارة دمشق “عصام غريواتي“.
اقرأ أيضا: “برلين” أولاً.. “سوريا 360” تسبر أغوار الفلول في السفارات الأوروبية
ورغم أنه حاول تجنب العدسات، كما تجنبت “قبوات” التقاط الصور معه، فقد رصدت منصتنا ما يؤكد بالدليل الواضحة حضور “حيدر علي أحمد” لمؤتمر العمل العالمي، بنفس صفته التي حملها منذ أيام المخلوع (مندوب سوريا الدائم لدى مكتب اﻷمم المتحدة والمنظمات الدولية في جنيف).
نسخة من “الجعفري”
عرف “علي أحمد” بقربه الشديد من “بشار الجعفري“، سمي المخلوع ومدفعيته الدبلوماسية اﻷقوى.
وقد شارك “علي أحمد” تحت رئاسة “الجعفري” في جولتين على اﻷقل مما كان يسمى “مفاوضات” في كل من “جنيف” و”أستانا“، وهي “المفاوضات” التي استخدمها المخلوع لتمييع مطالب السوريين، ومحاولة إغراق الطرف المفاوض في التفاصيل التافهة.

وﻻ شك أن من حضر مفاوضات أستانا وجنيف، وكان على اطلاع بخفاياها، يعلم يقينا أن المخلوع انتقى لتلك المحادثات خليطا من مسؤولين “مدنيين” ومخابراتيين، يتميزون بشراسة وبذاءة وعدائية مفرطة تجاه السوريين، كان ممثلو المخلوع يستلذون باستعراضها كلها داخل قاعات التفاوض وخارجها.
ولعل ما قدمه “علي أحمد” من مداخلات وبيانات، وبالذات أمام “مجلس حقوق اﻹنسان” يكشف مقدار اﻻستفزاز واﻻستخفاف اللذين تسلح بهما، حتى استحق أن يكون نسخة عن “الجعفري”.
اقرأ أيضا: بعد “أحداث الساحل”.. أوكار الفلول تتحرك في أوروبا
ففي صيف 2023 مثلا، ألقى “على أحمد” خطابا رنانا أمام الدورة 53 لمجلس حقوق الإنسان في جنيف، انتقد فيه لجنة التحقيق الدولية الخاصة بسوريا، زاعما أن “تحيزها ضد سوريا شكل جزءا لا يتجزأ من تأسيسها ومن منهجية عملها على مدار السنوات الماضية”.
وفي تموز 2024، عاود “علي أحمد” هجومه على لجنة التحقيق، مستخدما منبر الدورة 56 لمجلس حقوق اﻹنسان، الذي هو سفير فيه، ليقول إن نظامه لم يعترف يوما بما تسمى “لجنة التحقيق المعنية بسوريا”، واصفا هذه اللجنة بأنها “منفصلة عن الواقع”!
كمون وتحول
وقبيل سقوط المخلوع بنحو شهرين، جلس “علي أحمد” على كرسي “مندوب سوريا” في الدورة 57 لمجلس حقوق اﻹنسان، ليتهم لجنة التحقيق الدولية، بأنها “خانت مبادئ الحياد والموضوعية والاستقلالية والشفافية”.
وعندما سقط المخلوع، ابتلع “علي أحمد” لسانه، ودخل مرحلة “كمون” حتى حل الشهر نيسان من عام 2025، وحينها حضر كعادته جلسة مجلس حقوق اﻹنسان، لكن لا ليندد بالمجلس، بل ليثني عليه وعلى قراره بضرورة تعاون الحكومة السورية الجديدة مع لجنة تقصي الحقائق في جرائم الحرب، وهو الذي (علي أحمد) استفاض في التشنيع على هذا المجلس ولم يترك نقيصة إﻻ ألحقها باللجنة التابعة له.
استفز المغرب
لا يمسك “حيدر علي أحمد” دبلوماسيا بملف جنيف وكامل المنظمات العاملة فيها وحسب، بل هو أيضا يمسك ملفات حساسة تدل على أنه لم يكن دبلوماسيا عاديا لدى المخلوع، ومن هذه الملفات ما يمس علاقات سوريا بمملكة المغرب.
ففي تشرين الثاني من 2023، التقى “على أحمد” ممثل جبهة “بوليساريو” في سويسرا، والتقط معه الصور علنا، وهو ما أثار حفيظة الحكومة المغربية، لكنها لم تكن في وارد محاسبة وﻻ حتى معاتبة بشار اﻷسد، لعلمها بأنه مثل أبيه نشأ على معاداة نظام الحكم في المغرب (الملك الحسن الثاني ومن بعده ابنه محمد السادس).
ولعل أبرز طعنة سددها حافظ اﻷسد للملك الحسن الثاني، كانت اعترافه بجبهة “بوليساريو” التي تدعو لفصل الصحراء الغربية عن المغرب، بل تعدى ذلك إلى دعم حافظ ومن بعده بشار لهذه المنظمة بشتى الوسائل.

وقد شعر “المغاربة” وملكهم بعمق الطعنة، ﻻسيما أنها جاءت بعد كل ما قدمه المغرب من دعم عسكري حاسم ومشهود له في حرب تشرين عام 1973.
وكبادرة حسن نية، وتكفيرا عن خطيئة ارتكبتها المخلوع باسم بسوريا، سارعت اﻹدارة الجديدة ﻹقفال مكتب جبهة “بوليساريو” في دمشق وإنهاء أي نشاط لها.. فهل ستكمل دمشق مسار توطيد العلاقات السورية المغربية باستبعاد الدبلوماسي “علي أحمد” الذي أساء لهذه العلاقات تنفيذا ﻷوامر المخلوع؟
سنتان ونصف
في الختام، قد يقول قائل إن الخارجية السورية مضطرة للإبقاء على “حيدر علي أحمد” في منصبه أو باﻷحرى مناصبه، لما يملكه من خبرة وعلاقات في عاصمة الدبلوماسية الثانية في العالم (جنيف)، لكن الوقائع تخالف هذا الظن تحديدا، فـ”علي أحمد” لم يتسلم منصبه كمندوب دائم في مقر اﻷمم المتحدة بجنيف إﻻ في شهر شباط 2023، وهذا يعني أنه قضى حتى اﻵن نحو سنتين ونصف، وهي ليست بالمدة الطويلة، التي تتيح له بناء شبكات علاقات واسعة وعميقة، يخشى من تدهورها إن هو أقيل أو أبعد إلى مكان آخر.