جودت حسون- سوريا 360
من سخرية الأقدار أن يكون أول دروس الحرية التي تلقيناها كسوريين، أن حرية الأقدام أهم من حرية التعبير بآلاف المرات، لاسيما أيام خدمة العلم الإلزامية، حين كانوا يوزعون علينا البوط العسكري باليانصيب، ويقولون لنا “دبر راسك”!
قد يصادف حظك بوط واحد وأربعين ونمرة رجليك أم أربعة وأربعين ولازم “تدبر رأسك”.
هل يمكن لأحد أن يخطو خطوة، لو كانت في افتتاح رحلة الألف ميل، إذا كانت القدم ترزح تحت حصار “صرماية” عتيقة أو جديدة؟!
تخبرنا القواميس بأن كلمة “صرماية” لم تأت من فراغ، إذ إن لها جذورا عربية من “الصرامة”، ويأتي “الصرم” بمعنى “الخف المنعل”، كأقرب المعاني إلى المصطلح الذي يكثر تداوله بين الفينة والأخرى.
ولن نبوح بمعنى “الصرم” باللهجة البدوية، لكي لا ننحدر بالخطاب إلى ما دون “الصرماية”!
“صرماية” الطائفية
أعادت قصة منشور “الصحفية نور سليمان” الصرماية إلى واجهة الخطاب السوري مجددا، إذ يكاد “فيسبوك” السوريين يتفوق على قاموس “وئام وهاب” بكمية “الصرامي” !!
منشور “سليمان” برأي الكثير من السوريين وخاصة رواد مواقع التواصل الاجتماعي يذكر بمقولة الراحل “نزار قباني” قبيل وفاته “مخ متل السرماية لا بيكبر ولا بيصغر بس بيهتري”!
واذا كان أمير شعراء النصف الثاني من القرن المنصرم قد قال ذلك تعليقا على حجب جريدة “الحياة” اللندنية، فإن هؤلاء السوريين، بحسب ما رصدت “سوريا 360” ينتقدون العقلية “الفوقية” أو “العنصرية البغيضة” ومنسوب الطائفية الفاضح في خطاب الصحفية المذكورة!
تبادل الانتشار
انتشر خبر اعتقال “نور سليمان” على مواقع التواصل الاجتماعي كالنار في الهشيم، خاصة بين شريحة المنتقدين للسلطة الجديدة في سوريا.
واعتبروا ذلك تضييقا على الحريات الصحفية، في حين كانت رائحة الطائفية الكريهة تزكم الأنوف في جملتها الأخيرة المرصعة بكلمة “صرماية”!!
وأثمر تدخل وزير الإعلام لدى زميله وزير الداخلية عن إخلاء سبيل الصحفية “سليمان”.
خبر الإفراج، أيضا، لم يمر مرور الكرام لدى جزء ليس قليلا من سوريي التواصل الاجتماعي، إذ اعتبر معظمهم أن إطلاق سراح الصحفية قرار خاطئ، مطالبين بمحاكمتها على منشورها “الطائفي”.
طرف ثالث
شريحة أخرى انتقدت طريقة الاعتقال وإخلاء السبيل. ورأت هذه الفئة أن الاعتقال بهذه الطريقة يشبه ما كان يجري أيام النظام المخلوع.
وطالب هؤلاء بضرورة اتباع أساليب قانونية، والاعتقال بموجب مذكرة توقيف تفسر وتبرر أسباب الاعتقال، وبعد ذلك إجراء محاكمة عادلة لتنال المتهمة أو المتهم العقوبة اللازمة.
أعضاء الطرف الثالث يرون أن المخالفات والجرائم تحل بالقانون، وليس بتبويس اللحى والشوارب، ولا بالتهديد والوعيد ب”الصرماية”!!
دلو “قيصر”
يبدو أن لقضية “نور سلمان” من الأهمية ما دعا إلى تدخل أحد أكثر الشخصيات السورية إجماعا وهو “فريد المذهان” (قيصر).
وصف تدخل وزير الإعلام بأنه “الواسطة الرسمية”.
وقال في منشور له ليلة الخميس: “بعد سنوات من ثورةٍ نادت بالكرامة والعدالة، ووقفت ضد الواسطة والمحسوبيات، نعود لنراها تُشرعن من جديد… ولكن هذه المرة باسم “الحرية”!
كأنك يا أبا زيد ما غزيت”
وأضاف “في البوست الصادر عن وزير الإعلام حول الصحفية “نور سليمان”، نجد مثالًا صارخًا على ما يمكن تسميته بـ”التواطؤ المؤسسي”، حيث تتحول مؤسسات الدولة إلى أداة لتسوية القضايا الخطيرة بالتراضي، لا بالعدالة”
اقرأ أيضا: بين “معاوية” و”عمرو بن كلثوم” والسني الكيوت؟!
واعتبر أن “الإفراج عن موقوفة على خلفية “التحريض الطائفي” كما بات معروفًا بين المهتمين بالشأن العام هو أمر يسيء للمؤسسات القضائية قبل أن يُحرج الرأي العام”.
الحسم في المحكمة
وشرح رؤيته للموقف قائلا:
“أولاً: لا مكان للواسطة في دولة تحترم القانون.
ما تم تقديمه في البيان ليس إنجازًا، بل فضيحة. حين تُحل قضية تهم الوطن والشعب عبر اتصال هاتفي.
فإننا لا نعيش في دولة قانون، بل في نظام يعتمد على “التدخلات العليا” و”الكفالات السياسية”. إن قضايا تمس السلم الأهلي والتحريض الطائفي يجب أن تُحسم في قاعة المحكمة، وليس في غرف الاجتماعات المغلقة أو عبر بيانات تلمّع الجريمة باسم “الحرية”.
ثانيًا: الحرية لا تحمي التحريض.
البوست يتحدث عن “ضمان الحريات الصحفية” وكأن التحريض الطائفي هو نوع من أنواع التعبير المحمي. هذا قلب فاضح للمعايير. التحريض الطائفي جريمة، وليس رأيًا. عندما يستخدم الصحفي منصته للإساءة لمكوّنات المجتمع والتحشيد ضد الآخر، فإنه لا يمارس مهنة الصحافة، بل يهدد السلم الأهلي ويُشعل الفتن. وهنا لا فرق بين التحريض الديني، أو الطائفي، أو العرقي: كلّها تستحق المحاسبة العلنية، لا الإفراج”.
وختم منشوره: “نحن لا نطالب بالانتقام من أحد او التشهير بأحد، بل بالمحاسبة وفق القانون. من حرّض طائفيًا يجب أن يُحاسب علنًا،
لا يمكن بناء سوريا جديدة بالسكوت عن الأخطاء والتعديات.
أو بمقايضة الجرائم بحرية مفرغة من المسؤولية.
فإما أن تُحترم العدالة من الجميع، أو نُعلن موت القانون رسميًا”.