سوريا 360- سامر المقداد
أطلقت بلدية تجمع مفرق “حجيرة“، في أقصى جنوب دمشق، بالقرب من “السيدة زينب” سلسلة من الأعمال الخدمية والتنموية، بإشراف مسؤول تجمعات أبناء الجولان في جنوب دمشق والغوطة الشرقية.
هذه التحركات تأتي في وقت تعيش فيه البلدة أوضاعًا معيشية متردية وتاريخًا مثقلًا بالدمار والتهجير، في محاولة لإعادة ترميم ما يمكن ترميمه من البنية التحتية والذاكرة الجماعية على حد سواء.
من التهجير إلى الترميم
البلدة التي كانت تضم أكثر من 4 آلاف نسمة قبل عام 2011، تعرّضت لواحدة من أقسى موجات التهجير والدمار في محيط دمشق، منذ أن سيطر عليها النظام المخلوع بدعم ميليشيات موالية له في عام 2013. حينها تم تهجير معظم سكانها الأصليين، وغابت عنها الخدمات لعقدٍ كامل تقريبًا، حتى باتت تُعرف في أوساط الأهالي بأنها “مدينة منسية” أو “مدينة أشباح”.
تحركات خدمية وبيئة صعبة
رغم كل ذلك، تشهد منطقة مفرق “حجيرة” اليوم تحركات خدمية تهدف إلى تحسين الواقع الحياتي للسكان، بعد سنوات من الإهمال الممنهج، فقد باشرت البلدية أعمال نظافة يومية مكثفة، في ظل الكثافة السكانية التي يشهدها التجمع، خاصة بعد توطين عائلات جديدة خلال السنوات الماضية. كما تم تنفيذ خط صرف صحي جديد بطول 20 مترًا، وتسليك المجاري التي كانت تشكّل خطرًا بيئيًا مباشرًا على السكان. وفي خطوة تهدف إلى إحياء الجانب الديني والروحي من الحياة المجتمعية، جرى ترميم مسجد “التقوى” ليكون جاهزًا لاستقبال المصلين، بينما شملت الأعمال أيضًا ترحيل الأنقاض من الشوارع والمنازل المتضررة، وترميم مقبرة الشهداء كتحية رمزية لأرواح إرتقت في مجازر لا تزال حاضرة في وجدان أهل المنطقة.
![]()
جهود لإصلاح الماء والكهرباء
وضمن سعيها لتطوير الخدمات، قامت البلدية باستبدال الغاطسة المعطلة لخزان المياه الرئيسي في تجمع “البويضة” المجاور، لضمان استمرار تدفق المياه في ظل أزمة مائية حادة يعاني منها السكان. كما تم فتح وتسوية الطرقات الداخلية للتخفيف من معاناة الأهالي في تنقّلهم اليومي، بينما تجري عمليات إحصاء سكاني دقيقة لتحديد أولويات التدخل البلدي في التوزيع العادل للخدمات والمساعدات.
تعاون محلي
أكد مسؤول تجمعات أبناء الجولان “أحمد الخطيب“، أن هذه الجهود لن تكون مؤقتة، بل تأتي في سياق خطة متكاملة تهدف إلى خلق بيئة خدمية مستدامة، رغم الظروف الصعبة التي تحيط بالمنطقة. وأثنى على التعاون القائم بين الأهالي والبلدية، معتبرًا إياه دليلاً على أن إرادة الحياة ما زالت أقوى من الركام والخذلان.
اقرأ أيضا: نازحو شمال سوريا في مهب الرّيح ومناشدة عاجلة لإنقاذ سكّان المخيمات
واقع هش
ورغم هذا الزخم في الجهود، يبقى الواقع في “حجيرة” معقدًا، فالسكان يعانون من شحّ في الكهرباء، حيث لا تتجاوز ساعات التغذية اليومية ساعتين، وقد تنقطع لأيام متتالية، خاصة بعد تعرض الكابل الرئيسي للسرقة وتأخر إصلاحه بسبب نقص التمويل. أما مياه الشرب، فليست متوفرة بشكل مستقر، ما يضطر السكان لشرائها بأسعار مرتفعة عبر الصهاريج، في ظل غياب الدعم الحكومي الحقيقي. ويزداد الوضع سوءًا مع انعدام خدمات النظافة المنتظمة، وغياب خطة شاملة لإعادة تأهيل ما دمرته سنوات الحرب والتهميش.
![]()
تغيير ديموغرافي
التحولات الديموغرافية التي شهدتها “حجيرة” بعد عام 2013 كانت مثار جدل واسع، بينما سُمح بعودة بعض العائلات “المحسوبة على المخلوع”، تم منع المئات من السكان الأصليين من العودة إلى منازلهم، خاصة أولئك الذين انخرط أبناؤهم في الحراك الثوري. وفي المقابل، تم توطين عائلات شيعية من إيران والعراق وأفغانستان، بالإضافة إلى سكان من بلدتي “كفريا” و”الفوعة“، ضمن سياسة توصف شعبيًا بأنها “هندسة ديموغرافية” كانت ترمي إلى إحكام الطوق حول العاصمة بطوق مذهبي موالٍ.
ذاكرة دامية
ولا تزال مجازر “حجيرة” التي ارتكبها المخلوع محفورة في ذاكرة أهلها، أبرزها مجزرة التشييع التي وقعت في 18 تموز 2012، حين قصفت مروحية تابعة للمخلوع جنازة أحد شهداء الجولان، ما أدى إلى استشهاد أكثر من 220 شخصًا وجرح 150 آخرين. كما أن ما عُرف بـ”شارع علي الوحش” شكّل مسرحًا لمجزرة أخرى، راح ضحيتها المئات وفُقد خلالها أكثر من 1500 شخص، في واحدة من أبشع الجرائم التي ارتُكبت بحق مدنيين عُزّل في محيط دمشق.
هل تكفي الجهود؟
ومع ذلك، فإن ما تشهده “حجيرة” اليوم من تحركات خدمية “رغم محدوديتها” قد يمثّل بارقة أمل في ظل هذا المشهد القاتم. لكن الطريق لا يزال طويلًا، ولا يمكن لأي إصلاح خدمي أن يعوّض عن غياب العدالة، أو يحجب المطالب المحقة للسكان، في العودة إلى بيوتهم، واستعادة حقوقهم، ومحاسبة من تسببوا في معاناتهم.
![]()