نضال حمادية- خاص- سوريا 360
إذا كانت سوريا أرض المفارقات، وهي كذلك، فإن السويداء ربما تشكل ذروة مفارقات جنونية، سيقدم هذا التقرير شواهدها، من خلال قصة ضابط طيار هو العميد، “عدنان فرحان مهنا“.
الكفار المرتدون
فقد لقي “مهنا” مصرعه في السويداء، خلال الأحداث الراهنة، ونعته رابطة المحاربين القدماء في السويداء، قائلة إنه قتل “أيدي كفار العصر المرتدين الفاسقين المجرمين الذين لا دين لهم ولا ميثاق ولا ناموس”.
رابطة المحاربين القدماء، التي تتبع لوزارة الدفاع، ويقبض “محاربوها” رواتبهم منها، لم توضح من يكون هؤلاء الكفار والمجرمين، الذين قتلوا “مهنا”، رغم أن المستهدف بهذه النعوت واضح جدا في السويداء المحكومة بقبضة “حكمت الهجري“.
ومع ذلك فقد استقر الرأي على أن أفضل طريق لمعرفة هؤلاء، هو استجواب” مهنا” نفسه، و استنطاقه حول من يكون الكفرة والدواعش والخونة الحقيقون في السويداء، وكيف صار الهجريون (أتباع الهجري) يرمون بكل ذلك خصومهم، بعد أن كانوا حملة هذه الألقاب بجدارة، بشهادة ابن مجتمعهم وطائفتهم.
شبيه طلاس
قبل الخوض في عمق القصة، لابد من العودة قليلا لتاريخ “مهنا” ، الذي يرسم ويكتب الشعر ويعزف، وهو بنفس الوقت يرتكب المجازر، ولا عجب فمن قبله كان “مصطفى طلاس” يوقع أوامر إعدام السوريين وهو يكتب في الشعر والأدب والطبخ وتنسيق الزهور وشتى الفنون!
![]()
لم يكن “مهنا” سوى واحد من مئات ضباط الجو في جيش الأسد، وكان يمكن أن يموت دون أن يسمع أحد له ذكرا، رغم ما يدعيه من بطولات في لبنان عام 1982.
لكن الحرب التي شنها “بشار الأسد“، أحيت ذكر “مهنا” من موات، ودفعت به إلى واجهة المجرمين بحق الشعب السوري، لاسيما إبان توليه قيادة اللواء 30 في قاعدة “الضمير” الجوية، طوال السنوات الماضية (تقاعد عام 2017)، وخلال هذه الفترة كان “مسؤولا عن كل الطلعات الإجرامية في لوائه، إضافة إلى أنه نهب الكثير من ممتلكات المدنيين في عدة قرى بريف دوما وخاصة في مدينة عدرا العمالية من قبل جنود أرسلهم إلى هناك بغية السرقة والنهب عقب انسحاب مقاتلي الغوطة من المدينة”، وفق لائحة ادعاء أعدها القاضي خالد شهاب الدين، ووثق فيها بالأسماء والمناصب انتهاكات مجموعة كبيرة من ضباط سلاح الجو في نظام المخلوع.
الهجري وبيان ما بعد منتصف الليل. . ما الذي تغير؟
جائزة
بعد تقاعده عن قتل السوريين بالغارات، وضع “مهنا”، الملقب ” أبو حيان”، كل طاقته في التسبيح بحمد قائده بشار وإنجازاته، فكان ضيفا مزمنا على تلفزيون النظام (عبر مركزه في السويداء) في مختلف المناسبات، كما في عيد الجيش وعيد الشهداء.
نال “مهنا” جائزته سريعا، حين عينه المخلوع رئيسا لرابطة المحاربين القدامى- فرع السويداء، وهنا بدأ فصل آخر مختلف من سيرته، حيث كان على المجرم أن يواجه المجرمين ويشهد عليهم “استباقيا”.
ففي أواخر آب من عام 2023، أصدر “مهنا” بيانا مطولا، و مذيلا باسمه الصريح ومنصبه، يهاجم فيه رافعي علم الدروز (الخمس حدود) بصفتهم دواعش، ويفتح فيه النار على الخونة الذين يستقوون بالخارج ويطلبون فتح ممرات غير رسمية، ويطلب فيه أن تخرج السويداء من تحت العباءة والعمامة، أي من تحت سلطة “شيوخ العقل“، وتحديدا “حكمت الهجري”.
وقد حذر “مهنا” في ذلك البيان، من “تسليم القيادة إلى من يجهل القيادة ولايقدّر النتائج” واستنكر الدعوات إلى. “فتح معابر مشبوهة وغير شرعية تستوجب موافقة حكومات غير سورية !؟، وتشكيل فصائل مسلحة نستغرب لمواجهة من ؟؟ ومن سيدعم هذه الفصائل ؟؟”.
ومما قاله “مهنا” في بيانه: “رايتنا الخفاقة هي راية الجمهورية العربية السورية وغيرها لن نرفع، فمن أنكر راية داعش عليه أن لا يأتي بمثلها…
![]()
فهذه الأزمات يلزمها قيادة مسؤولة ومثقفة ولا يجوز تركها شعبية تترنح بين عمامة وعباءة”.
اقرأ أيضا: دعوات في أوروبا لمحاسبة “حكمت الهجري”
سمى قتلته
وكان مما ختم به “مهنا”: “مصرون على محاسبة البياعين و الخونة، ولن نرضى بوجودهم بيننا.. عدونا كل من ارتبط بالخارج، ونحذر من الاحتماء تحت مظلة الأعداء”.
وقد أثار هذا البيان الذي نشره “مهنا” علنا حنق أتباع العمامة والعباءة، بشكل لا يمكن تخيله، وجر عليه من الشتائم والمقاطعة والتهديدات الكثير.
وفي جانب من كان يحاربون نظام المخلوع، كان بيان ” مهنا” بلا قيمة، لأنه ببساطة صادر عن ضابط مجرم، بغرض الدفاع عن نظام لا مثيل لاجرامه.
ولكن مقتل “مهنا” واتهام الكفار والمرتدين بقتله، فرض علينا التأمل في بيان “مهنا” وإعادة التذكير به، وجعلنا نوقن أن المجرم قد يشهد على مجرم آخر، وفد يدينه، دون أن يغير ذلك من صفة إجرام الطرفين شيئا، أو يبيض صفحة الفاضح على حساب على المفضوح.
قتل “مهنا” إذن وتم نعيه بصفته ضحية للخونة والدواعش والإرهابيين، الذين سبق له وسماهم قبل مقتله بعامين!