سوريا 360- خاص
عندما يقال إن النظام الذي كان يحكم سوريا (بنسختي الأب والولد) ، لا يشبه ولا يمكن أن يشبه أي نظام في العالم، فلأنه بالفعل كذلك، وقد أثبتت آلاف الشهادات الموثقة ذلك، وما زال هناك دائما المزيد والمزيد، وإليكم واحدة منها.
فقد روى شقيق أحد المعتقلين في سجن صيدنايا لـــ #سوريا_360 قصة أخيه، وقصته التي أوقعته في براثن شبكة تمتد من صهر بيت الأسد، إلى واحد من كبار مسؤولي “قسد“، ممن يتفاوضون مع الحكومة السورية حاليا.
بل حاجز المليار
بدأت القصة في يوم من أيام شباط 2017، عندما مر ابن الرقة “عمار صالح الحمود” على حاجز أثريا الواقع في ريف حماة، وهناك تم إيقافه للتفتيش ومن ثم اعتقاله.
ومن حاجز أثريا (الذي كان يسمى حاجز المليون لما يفرضه من إتاوات)، بدأت رحلة شقيق عمار مع الابتزاز، الذي وصل إلى دفع مبلغ يقارب المليار ليرة، دون أن يتغير الكثير من وضع شقيقه، الذي لم يكن ليرى النور لولا سقوط المخلوع وفتح أبواب سجن صيدنايا الرهيب، صبيحة 8 كانون أول 2024.
وما إن انقطعت أخبار شقيقه “عمار” حتى بدأ رحلة البحث عنه، ضاربا أخماسا بأسداس عله يخمن أين هو وما سبب اعتقاله، خصوصا أن عمار شاب مدني بسيط، لم يكن له علاقة بالسلاح مطلقا، بل إنه حاصل على إعفاء نهائي من الخدمة عطفا على إصابته بإعاقة في السمع.
كانت أقرب الحلول المتاحة للرجل يومها أن يتصل بمسؤول رفيع من الإدارة الذاتية التابعة لـــ”قسد“. لاسيما وأن هذا المسؤول (تعرفه #سوريا_360 سجله واسمه وتاريخه)، ينحدر من محافظة الرقة، ويفترض أن لديه علاقات متشعبة نظرا لمنصبه المؤثر في “قسد”. ولماضيه كضابط خدم في شرطة النظام قرابة 15 عاما.
زوج انتصار الأسد
بعد شهور من الاختفاء دون العثور له على أثر، اتصل مسؤول الإدارة الذاتية الكبير بشقيق “عمار” ليبلغه أنه عرف مكان أخيه، والجهة التي اعتقلته، بل ويبشره بأنه سيرسله إلى رجل “واصل” من معارفه سيحل له الأمور.
اقرأ أيضا: وسط دمشق.. شبكة ابتزاز جنسي بقيادة اليد اليمنى لماهر الأسد (محادثات خاصة)
تبين سريعا أن “حل الأمور” مرتبط بأن “يحل” الشقيق كيسه جيدا، ولا عجب فهو في جمهورية الأسد، فكيف إذا كان “الواصل” ليس سوى صهر العائلة، ونعني به جهاد بركات (قائد مليشيا كتائب البعث)، زوج انتصار الأسد بنت بديع، وشقيقة كل من عمار (عضو مجلس الشعب) ووسيم (تاجر المخدرات، والوحيد الذي قبض عليه من عائلة الأسد حتى اليوم).
في مكتبه في منطقة مساكن برزة بدمشق، عرض “جهاد بركات” الصفقة بكل أريحية ووضوح، وكأنه يعقد صفقة تجارية “حلالا” ولا يرابي متاجرا بآلام إنسان.
5 آلاف دولار لكل زيارة، وبعد “المراعاة” 10 آلاف دولار مقابل 3 زيارات.
دفعها الأخ كما دفع من قبله وبعده عدد لا يحصى من السوريين، في سبيل معرفة مصير أحبائهم، أو حتى إلقاء نظرة عليهم لمرة.
زار الشقيق شقيقه المعتقل خلف أسوار صيدنايا، حيث كان عليه أن يدفع هناك أيضا للحرس والجلادين، مبالغ من فئة 50 ألف ليرة للجلاد الواحد، وهي “بسيطة” مقارنة بما طلبه صهر بيت الأسد، الذي كان سهلا عليه أن يقسم أن هذه المبالغ ليست له، بل للعميد “آصف الدكر” الضابط المخابراتي، الذي كان اسمه يثير الرعب، لغموضه ولقربه الشديد من بشار الأسد.
مكالمة بـــ40 ألف دولار
كان الوضع الصحي لشقيقه “عمار” يؤرقه بشدة، وهذا ما استطاع “جهاد بركات” أن يلتقطه بدهاء اللص، الذي اعتاد التفرس في وجوه “الطرائد” والانقضاض عليها قبل افتراسها.
عرض عليه صفقة جديدة، 40 ألف دولار “فقط لاغير” وأضمن لك تحويل شقيقك إلى المشفى.. وأي مشفى!!! المزة العسكري، المسلخ الذي قتل فيه عدد كبير من المعتقلين، والمكان الذي كان يغلف فيه جنود الأسد جثامين ضحايا التعذيب الآتية من فروع المخابرات.
اقرأ أيضا: حصريا مع”سوريا 360″.. تعرف إلى زعيم خلية تفجير “مار إلياس”
قبل الشقيق بالصفقة مرغما، فهو لايحتمل أن يرى صحة شقيقه تتدهور، واكتفى من إثباتات التحويل بمكالمة مرئية بينه وبين أخيه من مشفى المزة، حيث كان الشقيق قد غادر سوريا، بعد أن استنفد رصيد الزيارات المدفوعة (3 فقط) ، الذي منحه إياه جهاد بركات.
سلاح “الميدانية”
فهل اكتفى صهر بيت الأسد “بركات”؟.. الجواب كان في “عرض” جديد قوامه فقط 100 ألف دولار، لقاء إيقاف تحويل شقيقك المعتقل إلى المحكمة الميدانية (حبل المشنقة).
لكن قدرة شقيق عمار المالية لم تعد تحتمل مهما حاول، فقد دفع حتى تاريخ “العرض الأخير” نحو 53 ألف دولار، ثمن 3 زيارات وتحويلة لمشفى عسكري يماثل المسلخ، سرعان ما أجبر عمار على مغادرته ليعود إلى المسلخ الأكبر في صيدنايا.
قبيل فجر 8 كانون الأول 2024، سقط المخلوع وتيقن كثيرون من هروبه، فهبت مجموعات من البلدات المحيطة بالسجن لفتح بواباته أمام من تبقى من المعتقلين على قيد الحياة، وخرج “عمار الحمود” هائما على وجهه شبه فاقد لذاكرته، ولولا بطاقة كانت بحوزته لكان التعرف إلى هويته وإيصاله بذويه متعذرا.
أحد جلاديه يسرح في أوروبا
اليوم يفضل “عمار” الانزواء، لا يحب الكلام، ولا حتى التقاط الصور (الصورة المرفقة التقطت بصعوبة)، لا نعرف ما حقيقة مشاعره لصعوبة ذلك، لكننا نعلم أن شقيقه مصرعلى تعقب كل الذين ساهموا في عذابات أخيه، وكل الذين ابتزوه ونهبوه في هذه القضية بالذات.
وقد نجح شقيق “عمار الحمود”، في الوصول إلى أحد جلادي صيدنايا ممن كانوا شركاء في سجن أخيه، وكانوا يقفون أمام الشبك الحديدي ليطلبوا من شقيق عمار الرشى، حتى يسمحوا له برؤية شقيقه من خلف القضبان والحديث إليه.
اقرأ أيضا: في ظل الحديث عن “تهريب”.. حقائق تكشف للمرة الأولى عن كبير مجرمي الدير
وهذا السجان يعيش حاليا حرا طليقا في إحدى دول أوروبا، وهو يتحدر من إحدى قرى حمص (تحتفظ #سوريا_360 ببياناته لتقديمها للجهات المختصة عند الحاجة).
يأمل شقيق عمار أن يساق هذا السجان إلى المحاكمة، ليحصل شقيقه المعتقل ولو على جزء بسيط من حقه، أما الجزء الكبير فهو بسوق “جهاد بركات” و”آصف الدكر” وأمثالهم من كبار المجرمين واللصوص، ومن يدري لعل عمار الحمود (47 عاما) ومن يشبهونه من الضحايا (وما أكثرهم) قد يشهدون تلك المحاكمات.
فليحسب الحاسبون
رغم الصعوبات الجمة التي تعترض توثيقها، فقد استطاعت منظمات وجمعيات عدة تقدير أرقام الضحايا الذين قتلهم نظام #المخلوع أو أخفاهم، لكن اي هيئة لم تنجح حتى اليوم في تقديم ولو أرقام تقريبية لحجم الأموال والثروات التي نهبها #المخلوع وكل من ارتبط به، في إطار مساومتهم لذوي الضحايا والمعتقلين، مطبقين مقولة “موتة وعصة قبر” عليهم بلا رحمة ولا هوادة.. ولأجل هذا وغيره فإن نظام الأسدين كان وما زال لا يشبه أي نظام حكم في العالم.
قد يقول قائل إن #المخلوع نهب 10 مليارات دولار، أو 30 مليارا.. أكثر بكثير أو أقل بقليل، ونحن لا نملك الجواب ولا الجزم… ولكننا نجزم أنها سلسلة طويلة جدا، بدأت بشكل واضح من الثمانينات، أيام كانت أم فيصل غانم (مدير سجن تدمر) تتلقى سبائك الذهب ورزم الأموال من أجل ورقة صغيرة توصي بزيارة قصيرة، أو حتى مجرد إرسال أغراض.
وامتدت هذه السلسلة من ساعتها وحتى الساعات الأخيرة من سقوط المخلوع، فالتفت كحبل خانق على رقاب ملايين السوريين، وكلفتهم ما يستحيل إحصاؤه من أموال.
وعلى قصة “عمار الحمود” وأمثاله فليقيسوا، وليحسب الحاسبون إن استطاعوا!