إيثار عبدالحق- خاص
ظهر اسم الفوج 47 التابع للحرس الثوري الإيراني على السطح من جديد، بعد الحملة الأمنية في منطقة “البوكمال” التي أسفرت عن اعتقال العشرات، منهم عناصر في هذا الفوج، بينما نجح عناصر آخرون في الفرار نحو مناطق “قسد” والاحتماء بالقاعدة الروسية في القامشلي.
لكن قصة الفوج 47 لا تقف عند الأخبار الأخيرة عنه، ولا يجوز اختصارها بهذا الشكل، لأن سيرة هذا الفوج تكاد تجسد قصة سوريا كلها على أيام #المخلوع وبعده، من قضية بيع البنادق والولاءات، إلى قضية السيطرة الإيرانية والتشييع، مرورا بقضايا المخدرات والقتل وتوظيف الأموال المشبوهة، وصولا إلى أخطاء التسويات القاتلة، والاغتيالات، والوضع المنفلت الذي لا يعلم أحد متى وأين سينتهي… إنها بكل أمانة قصة سوريا من جهاتها الأربع، تختزلها قصة فوج عسكري.
براءة
لا يمكن فهم الفوج 47 التابع للحرس الثوري الإيراني، بدون فهم السيرة شديدة التقلب لقائده ورمزه، يوسف محمود الحمدان، الملقب أبو “عيسى المشهداني“، ابن قرية “الحمدان” وقبيلة “المشاهدة” (وكثير من أبناء قريته وقبيلته أعلنوا براءتهم منه).
فعندما انتفض السوريون ضد نظام المخلوع في ربيع 2011، كانت “البوكمال” من أولى (بل ربما أولى) المناطق التي تخرج عن سيطرته.
يومها شكل أبناء القبائل كتائبهم الخاصة، ومنهم “المشاهدة” ممثلة بلواء على اسم القبيلة، كان من بين عناصره والفاعلين فيه “يوسف الحمدان”.. وقد نسبت تلك الكتائب إلى “الجيش الحر” كما جرت العادة يومها، بغض النظر عن عدم وجود هيكلية واضحة للجيش الحر حينها.
اقرأ أيضا: حصريا مع”سوريا 360″.. تعرف إلى زعيم خلية تفجير “مار إلياس”
كان الوضع الميداني يومها شديد التغير والتحول، مع تكاثر التشكيلات العسكرية كما ينمو الفطر، ومحاولة استقطاب كل منها مجندين يقاتلون في صفوفها وتحت راياتها.
وبينما ثبت قسم على ولائه لفصيله الأول، انساق آخرون مع التيار، ومنهم “أبو عيسى المشهداني” الذي التحق بصفوف “جبهة النصرة“، حيث كان مركز ثقلها تلك الأيام في ريف دير الزور.

لكن “المشهداني” سرعان ما قفز من “النصرة” نحو تنظيم “الدولة” الذي كانت طريقة صعوده مغرية على مختلف الأصعدة، لاسيما لأناس مثل “المشهداني”، ليس لديهم أي تردد في تغيير الاتجاه، كلما سنحت لهم سانحة.
للإيجار
استمر “يوسف الحمدان” (أبو عيسى المشهداني) في صفوف التنظيم، إلى أن حدث تحول كبير آخر، استسلم الرجل له، وانخرط فيه دون أن يرف له جفن، رغم أن هذا التحول كان انقلابا من النقيض إلى النقيض ولو شكليا (من حضن التنظيم إلى حضن نظام المخلوع وإيران).
ففي نهاية 2017، حقق الإيرانيون هدفهم باستعادة نقاط حيوية في ريف دير الزور، من شأنها إعادة وصل شريانهم البري، الممتد من إيران حتى لبنان، وهنا استدار “المشهداني” استدارة كاملة، عارضا نفوذه وبندقيته وعلاقاته للإيجار، فقبل الإيرانيون العرض، وكوفئ بمنصب قائد الفوج 47 ليكون القوة الضاربة ضد أبناء منطقته، ممن اختاروا رفض المخلوع ورفض نفوذ إيران معا.
وهنا أيضا عرف “المشهداني” من أين تؤكل الكتف، فتشيع (حسب أغلب الأقاويل) واختط له دربا في طريق الإثراء غير المشروع، لاسيما عبر تهريب المخدرات، وتجارة الأراضي والعقارات، وتنسيب شباب المنطقة ليلتحقوا بالإيرانيين (بذريعة ضمان بقائهم في مناطقهم)… هذا فضلا عن سعيه في إتمام زيجات مرتزقة إيرانيين وأفغان، بفتيات مغلوبات على أمرهن من بنات المنطقة.
كل هذه التجاوزات جعلت حساب “المشهداني” ثقيلا لدى أبناء ريف دير الزور عموما، ناهيك عن التجاوزات المتعلقة بالدم، وهي أمور يصعب غفرانها او المساومة عليها في موروث تلك المنطقة خصوصا.
اقرأ أيضا: سوريا 360 تتحرى.. قنبلة جديدة في ملف أطفال دور الرعاية
سليماني
كان الإيرانيون أيضا يتقنون اللعبة، فلا يوفرون “شدة أذن” للمرتزق “المشهداني” بين حين وحين، ومن ذلك حبسه بضعة أيام في شباط 2023، بتهمة “تجارة المخدرات”!
وبعدها بنحو عام، تخلص الإيرانيون من “المشهداني”وأبعدوه عن قيادة الفوج 47، ولكن الرجل بقي تابعا لهم، ومعه عدد غير قليل ممن استقطبهم وزين لهم الالتحاق بجنود قاسم سليماني، الذي كان يتبركون به “قائدا” ، ثم “شهيدا” بعدما قتلته واشنطن.
جاء تحرير سوريا من #المخلوع كالصاعقة، سريعا حادا قاصما، وهبت “البوكمال” كعادتها لتكون في طليعة كاسري القيود، لكن التسويات التي لا يعلم أحد حتى اليوم كيف تمت، منحت “أبو عيسى المشهداني” فرصة لم يكن أحد ليتخيلها (لا المشهداني ولا أنصاره ولا ضحاياه وأعداؤه)، فرجع الرجل يتنعم بأملاكه المشبوهة ويتبختر بين ضحاياه، بعدما كان فر إلى العراق خوفا عقب سقوط #المخلوع ومشروع إيران معا.
سكين
غير أن حبل حياة “المشهداني” كان قصيرا هذه المرة إذ قطعته سكين “مجهول” وقطعت معه عنق “المشهداني” نفسه، وعنق ابن اخته “حكمت الدحام“، وذلك أواسط شهر شباط 2025.
ظن كثيرون أن صفحة الفوج 47 طويت بطي صفحة زعيمه “المشهداني”، لكن هذا الظن تبخر، مع بقاء كثير من مرتزقة الفوج طليقين بصحبة سلاحهم المنفلت، مستفيدين أحيانا من طبيعة الوشائج العشائرية القوية، التي تفرض تسويات بعيدة عن الحق في بعض المواقف.
ويبدو أن صفحة الفوج 47 قد تستغرق وقتا أطول من المأمول لطيها نهائيا وفعليا، حالها كحال حقبة مثخنة بالمحسوبيات والتسويات والواسطات وسوء الإدارة ونقص الإرادة والقفز على القانون.
