سوريا 360- المانيا- أحمد ياسين
حين تضيق اللغة وتضيع التفاصيل، يبقى للفن وحده القدرة على احتواء الذات والتعبير عنها، ليكون مرآة للروح، ووثيقة للعاطفة، ونافذة لا تُغلق نحو الذاكرة، ومن خلال هذه الرؤية العميقة، بدأت الفنانة السورية “مرح عبد العال” تجربتها الفنية، التي لم تولد من دراسة أكاديمية، بل من شعور داخلي دفين، ومن حاجة فطرية للتعبير والتوثيق، للمقاومة والصمود.
الفنانة “مرح عبد العال” قالت لــ”سوريا 360 ” : “بدأت رحلتي مع الفن التشكيلي منذ الطفولة، ولم أدرس الفن بشكل أكاديمي، ولكن الرسم كان دائما هوايتي وشغفي، وهذه الموهبة اعتبرها عطية من الله، وهي وسيلتي للتعبير عن ذاتي ومشاعري دون الحاجة إلى الشرح بالكلام”.
لم يكن هناك حدث مفصلي دفع “عبد العال” لاختيار الفن، فهو لديها مكون جوهري في شخصيتها، ولكن مشاغل الحياة، وتحديدا دراستها في كلية الحقوق، أبعدتها عن الفن بضع سنوات، وبعد هجرتها إلى ألمانيا، وحصولها على المساحة والوقت، عادت إلى الرسم، وكأنها تعود إلى ذاتها.
الموهبة والاستمرار
أشارت “مرح” إلى أن الاكتشاف الذاتي لم يكن ليكتمل دون نظرة الأب الأولى، وهو أول من أدرك أن لرسوماتها خصوصية، وأنها تختلف من حيث الأسلوب والتكوين عما يرسمه الأطفال عادة، وكان هذا الاعتراف المبكر بمثابة دفعة قوية، ورسالة ضمنية بأن ما تفعله يحمل قيمة ومعنى، الأمر الذي ترك في نفسها أثرا عميقا، ورسّخ حضور الفن في حياتها.
![]()
و”عبد العال” لا تتبع مدرسة فنية محددة، وترى أن اسلوبها الفني فطري وعفوي، لأن الفن عندها حالة شعور وتعبير داخلي، لذلك “لا أتبع مدرسة فنية، ولا أقيّد نفسي بأي إطار تقليدي”.
وتابعت: “الرسم بالنسبة لي ليس فعلًا تقنيا أو مشروعا مدروسا، بل هو انعكاس لحالة داخلية. كل لوحة تُرسم بشعورها في تلك اللحظة، من دون تخطيط أو نقل. فأنا أؤمن أن أعمال الفنان، حتى وإن لم يقصد، لا بد أن تتشابه وتتكامل، لأنها صادرة من نفس الذات… لوحاتي تشبهني، لأنها تجسيد لمشاعري وتجربتي”.
الإنسان، الوطن، والوقت
الإنسان هو العنصر المحوري في أغلب أعمال “عبد العال “.. مشاعره، ارتباطه بمحيطه، تجذّره، وتحولاته الداخلية.
فبعد مغادرتها سوريا، ومع تعمّق شعور الاغتراب، انكفأت الفنانة السورية إلى لوحاتها محاولة التعبير عن جذور الإنسان، وعن العلاقة العضوية بينه وبين أرضه، وجسّدت ذلك عبر رموز، كالشجرة المتجذّرة التي يصعب اقتلاعها، أو الإنسان الذي يشبه ساعة رملية تنفد مع الزمن، تصويرا لمعاناة الإنسان أمام الوقت وتقلّباته.
وحين تبدأ العمل على لوحة جديدة، لا تحمل معها صورة محددة أو تصورا جاهزا، بل تُطلق يد الإحساس. لا ترسم المنقول، بل الموجات الداخلية التي تسري فيها. تحتاج إلى عزلة تامة، إلى سكون خالص لا يتخلله صوت أو حضور. “في تلك اللحظة، يتحول الرسم إلى طقس نفسي، حالة من الصفاء”.
أما عن الأدوات، فتقول “عبد العال” لموقعنا: “جرّبت الألوان الزيتية، المائية، الأكريليك، وحتى الرصاص، وأحب أن أرى في كل مادة جمالها الخاص. ولكن الجوهر لا يكمن في الأداة، بل في الصدق الداخلي، وبإمكاني أن أرسم حتى لو لم أملك سوى ريشة ولون واحد، لأن التعبير لا يكون بالأدوات، بل بالحالة الفنية التي أعيشها”.
جرح مُلهم
وأكدت “عبد العال” أن “الغربة أثّرت عليها أولا كإنسانة، وقبل أن تمتد إلى تجربتها الفنية، متجسدة في مشاعر الاشتياق، وألم البُعد، وصعوبة الانفصال عن الجذور، وغيرها من المشاعر التي وجدت طريقها إلى الريشة. و “لكنها لم تظهر بشكل مباشر، بل خرجت في شكل إحساس نابض، وخلّفت جرحا داخليا عميقا، عبّر عن نفسه من خلال الألوان والخطوط، لا بتخطيط واعٍ، بل بشفافية الشعور”.
![]()
![]()
ورأت الفنانة السورية أن “للفن دورا يتجاوز التعبير، إلى التوثيق والمقاومة، وهو وسيلة لنقل الحقيقة، ورواية ما يصعب قوله بالكلمات، ومن خلال الفن، رسالتي هي توحيد الناس أمام جمال العمل الفني ومعاناتهم الإنسانية المشتركة، وأريد أن يلمس الناس في لوحاتي مشاعرهم الخاصة ويشعروا أننا جميعًا نمر بتجارب متشابهة”.
وقد وثقت “عبد العال” من خلال أعمالها، معاناة الإنسان، فكانت قصصه وألمه حاضرة بشكل دائم، ليتحول الفن إلى شكل من أشكال المقاومة، لسس في وجه العنف فحسب، بل في وجه النسيان، لافتة إلى أن “الفن في رأيها، يحفظ الذاكرة الجماعية، ويدافع عن الهوية الثقافية، لأن الفنان شاهد على عصره، وعمله أحيانا يكون الوسيلة الوحيدة لتسجيل الواقع، خاصة حين تغيب العدسات وتصمت المكبرات، في وجه المحو والتهميش، فيصبح اللون موقفا، واللوحة صوتا، والحضور الإبداعي فعل مقاومة لا يُقهر.
ابنة مدينة اللاذقية “عبد العال” لا ترسم لتعرض، بل لترى نفسها. ولوحاتها ليست مجرّد مشاهد، بل محطات شعورية تُعبّر عن الحنين، الألم، الجذور، والانتماء، وهي فنانة بالحدس، بالوجدان، وبالإيمان العميق بأن الفن يمكنه أن يقول ما لا يُقال.