إيثار عبدالحق- خاص- سوريا 360
في ليلة رمضانية، دخلوا بيت الأسرة بحثا عنه، ولما لم يجدوه عاثوا في المكان فسادا وروعوا أهله.. ثم تربصوا به، فلما رجع اقتادوه، وما هي إلا أيام حتى كان الرجل جثة هامدة..
هكذا يمكن أن نختصر القصة التي تبدو شبيهة بعدد غير محدود من القصص، إذا أردنا لضحايانا أن يكونوا مجرد أرقام، أو عبارة عن بضعة أسطر لا أكثر، أما إذا كانوا في نظرنا أرواحا ترفرف، وقناديل تضيء، فعلينا أن نروي القصة كلها، وأن نسمعها بخشوع إذا رويت.
خطة “سلامة”
يقول أفراد من أسرته، إن “نديم أحمد خديجة”، كان في الثانية والخمسين من عمره وربا لأسرة قوامها 10 أطفال، مشبعا بحيوية رجل فتحت عليه أبواب الرزق واسعة، مستظلا بعائلة تضم إلى جانبه 5 أشقاء، قبل أن يتم اقتلاع هذه العائلة، رجلا وراء رجل، وإن اختلفت الطرق.
نعم، إنه اقتلاع، يؤكد ابن شقيق الضحية، ياسر خديجة، وهو يتحدث لمنصة “سوريا 360” عن شجرة عائلة، كسر الأسد الولد أغصانها، بعد سنوات طويلة من محاربة الأسد الأب “أصل” تلك الشجرة.
نديم، المعروف بلقب “أبو أحمد” تعرض هو وإخوانه بداية لمحاولات الاقتلاع المالي، ولا عجب، فزعيم شبيحة السلمية “مصيب سلامة” (شقيق اللواء المخابراتي أديب سلامة)، قالها يوما ودون مواربة: “الثورة المزعومة فرصة لنقل أموال السنة إلى العلويين”، ومن هنا كان “أبو أحمد” التاجر المتعدد النشاطات والمعروف جدا في “سلمية” ومحيطها، هدفا مناسبا لهؤلاء الشبيحة.
سوريا 360 أول وسيلة إعلام في العالم تنفرد بكشف هوية قيصر
كان الشبيحة لا يوفرون فرصة، لطلب الأتاوات الباهظة من “أبو أحمد”، ومن شقيقه “عمار” أيضا، وكان الرفض هو الجواب الدائم، لكن رفض” أبو أحمد” كان يستفز الشبيحة أكثر، لأنه رفض غير مبطن، ومغلف بقدر من التحدي وعزة النفس، وهذا ما لا يطيقه من ادخرهم النظام لإذلال الناس وكسر إرادتهم.
سلبوه روحه وماله
عجز شبيحة سلمية عن سحق “أبو أحمد” ماليا، فانتقلوا لبند تصفيته جسديا، وكلفوا بذلك واحدا من أقذر أذرعهم (وريس اليونس) الذي انقض مع أعوانه على منزل التاجر المعروف ذات ليلة من رمضان سنة 1434 (2013)، وأرعبوا أسرته، ولما لم يجدوه أمامهم، انتظروه حتى عاد، ومن يومها اختفى “الحاج نديم” تماما، ولم يتح لأهله ومن بقي من إخوته، إلا أن يروه – بعد مدة طويلة- ولكن في صور تحاكي صور “قيصر”، التي وثقت عددا كبيرا من ضحايا النظام المقتولين تعذيبا.
لاحقا، علمت عائلة “خديجة”، كيف واجه “أبو أحمد” جلاديه بصلابة، صارخا في وجوههم “يلعن روحك يا حافظ”، فأفرغوا في جسده ما وسعهم من تعذيب، حتى سلبوه روحه، بعد أسبوعين فقط، كما ستظهر “شهادة وفاة” سيحصل عليه ذووه فيما بعد.

وبينما كانت مجموعة منهم تسابق الوقت لإزهاق روح “أبو أحمد”، داهمت مجموعة أخرى بيت التاجر مجددا، حسب ما تروي ابنة “أبو أحمد” لنا، مؤكدة أن المداهمة حصلت بعد يومين من إخفاء أبيها، وتركزت على تعفيش وسرقة ما وجدوه من أموال.
من أي طينة؟
إذن فقد اغتالوا من كان يرفض الرضوخ لابتزازهم المالي، جسديا وماديا.. فهل توقفت مساعي الاقتلاع هنا.
يخبرنا عمار ابن شقيق “أبو أحمد”، أنه وبعد 21 يوما من اعتقال عمه الاكبر “نديم”، نزلت قذيفة على رأس عمه “ياسر” قرب منزله، فتشظى مع جارة كان يسألها عن حالها.
من الذي قتل “ياسر” وما مصدر القذائف؟.. الرواية الوحيدة التي وجب على الجميع التسليم بها وعدم مناقشتها هي “المجموعات الإرهابية”.
يومان فقط، صمدت رواية النظام بشأن مقتل “ياسر خديجة” إلى جانب عدد من المدنيين في “سلمية”، فالنظام الحريص على حماية المدنيين ومقارعة “الإرهابيين”، اعتقل “عمار خديجة” في اليوم الثالث من عزاء أخيه “ياسر”.
وهنا نقف قليلا لنفسر مشهدا عصيا على التفسير، عسى أن نجد جوابا شافيا عن “طينة” النظام الذي كان يحكم سوريا.
“تركماني” يستدل بالوشوم أملا في التعرف على بعض الضحايا
ففي المشهد عزاء لشخص قتله “الإرهابيون”، وكنوع من التضامن مع ذويه، يقوم النظام الذي “يحارب الإرهابيين” في ثالث أيام العزاء، باعتقال الشقيق الذي يظهر الحزن على شقيقه المقتول بيد “الإرهابيين”، بينما يكون هذا النظام قد انتزع قبل أيام قليلة روح الأخ الأكبر لهما، دون أن يدريا عن ذلك شيئا، فياسر غيبه الموت قتلا، وعمار سيكون على تخوم الموت قريبا.
الإيرانيون حاضرون
من سرادق عزاء شقيقه، سينقل “عمار خديجة” إلى أيدي زبانية العذاب في مطار حماة، حيث الوجوه الغريبة في أرض سوريا السليبة.
يؤكد “عمار” لمنصة “سوريا 360” أن الإيرانيين كانوا حاضرين هناك وبقوة، بل إنهم من تولوا نقله بطائرة مروحية من مطار حماة إلى المعتقل الرهيب في سجن المزة العسكري بدمشق.
ربما كان “عمار” يمني نفسه خلال تلك “الرحلة” بقسط من الراحة، بين شوطي العذاب (المنقضي في مطار حماة، والمنظر في مطار المزة)، ولكنه وعلى يد الإيرانيين ذاق ما لم يتوقعه، عبر “الإيهام بالقذف”.
وإذا كان العالم قد تعرف سابقا على أهوال معتقل “غوانتانامو” وأساليب تعذيبه الفظيعة، لاسيما الإيهام بالغرق، حيث يعاني المعتقل سكرات الغرق مرارا، وما هو بغارق!، فإن الإيرانيين في سوريا بزوا الأمريكيين وتفننوا في تقنية الإيهام بالموت عبر القذف من علو شاهق.
نعم، كان العناصر الإيرانيون يحلمون الرجل الخمسيني “عمار خديجة” ليلوحوا به فوق فتحة الطائرة العمودية.. لا بد أنهم سيرموني.. لا لم يرموني.. وتعاد الكرة حتى يقف “عمار” على شفا الموت مرة تلو أخرى، قبل أن تحط الطائرة في معتقل المزة، أمام صنف من الجلادين، صبوا عليه العذاب صبا، حتى غزته الأسقام وهزل جسمه، ليخرج أشبه بجثة، لولا أن تداركته عائلته بخدمة طبية عاجلة ومكثفة، سبقها دفع “فدية” مليونية باهظة، من عائلة فقدت اثنين من رجالها وكانت على وشك فقد الثالث، بينما كان البقية (3 إخوة) مطاردين ومعرضين للاعتقال، وقد اعتقل أحدهم فعلا.
سر العداوة
لم يلبث “عمار” أن فر بنفسه إلى بلد قصي، بعيد عن سوريا كل البعد، فلا أحد يستطيع أن يدعي عدم الخوف لو عاين جزءا مما عاينه، اللهم إلا شقيقه “نديم”، الذي يراه “عمار” نموذجا في رباطة الجأش وعزة النفس، لا يستطيع بلوغه، رغم أنهما تربيا كتوأم، إذا لا يفصل بينهما سوى عام.
اقتلاع، ومحاولات اقتلاع.. فهل كان المال هو الدافع الوحيد لتقصد عائلة “خديجة”، يجيب كبير العائلة “عمار”: ربما كان المال، ولكن هناك شيئا آخرا يرتبط بتاريخ العائلة، إنه سرها “أحمد خديجة”، الضابط الذي أثبت هو وذريته، أن الحق ونسله يصارع الطغيان ونسله!
والده عالم نووي وجده أمير جزائري.. قتله بشار وصلوا عليه بعد 10 أعوام
“أحمد” الذي تطوع في جيش البلاد قديما، قبل أن يتحول لجيش الحاكم، وخدم في مناطق مختلفة، بما فيها جبهة الجنوب (حيث ولد بكره نديم في القنيطرة)، يسجل ابنه “عمار” الذي وعى موقفه الصارم من النظام، كيف اصطدم بحافظ الأسد وأعوانه، وكيف اعترض على تحول الجيش في أيديهم إلى أداة طائفية، ما كلف المقدم الركن “أحمد نديم خديجة” تسريحا تعسفيا بأمر من حافظ الأسد، وذلك في بداية سبعينات القرن الماضي.
كان “عمار” ما يزال طفلا صغيرا، لكن ما رآه ذلك اليوم محال على ذاكرته أن تفرط فيه، رأى نافذا كبيرا وضابطا معروفا من رفاق حافظ (نرمز لاسمه بحرفي إ. ع)، وهو يطرد من منزل والده المقدم “أحمد”، وقد انهال المقدم على ذلك الضابط العاتي بالتوبيخ القاسي، إذ لم يعد مقبولا في عرف المقدم الذي تشرب الشرف العائلي زالعسكري معا، أن يرضى البقاء في حزب وجيش، ليسا أكثر من واجهة وأداة (كانت رتبة أحمد خدبجة يومها أعلى أو تساوي رتبة حافظ الأسد لولا الترفيع الاستثنائي الهزلي، الذي ناله حافظ هو وثلة من الضباط بعد انقلاب 1963).
هل مات أبو نديم؟
هذا التوبيخ القاسي، سيظل يرن في أذن ذلك الضابط الكبير (رفيق حافظ في مغامراته وانقلاباته)، وسيبقى مواظبا على زيارة “سلمية” لهدف واحد يختصره سؤال قلق “هل مات أبو نديم؟”، عل ذلك العاتي يحصل على إجابة تبرد قلبه وقلب “رفاقه”، ممن مرغ “أبو نديم” أنوفهم، وجابههم بحقيقة طائفيتهم، عارية بلا تزييف.
لقد كانت معارضة الأسد تجري في عروقنا، من أيام الأسد الكبير وليس فقط على أيام الصغير، فأنا ما زلت أذكر مواقف والدي الحاسمة تجاه الاستبداد، وتمنيه لو كان يمتلك القوة الرادعة ليواجه الطاغية حافظ الأسد دون وجل، ولكن حافظ وشركاءه كانوا أسبق في تجريد وإبعاد كل من لمسوا منه رائحة مناوءة لمشروعهم، فما بالك بمن قاومهم وجها لوجه.
ولم يكن افتراق “أحمد خديجة” عن الجيش والحزب، نتيجة الممارسات الطائفية وحسب، بل أيضا كرد فعل عملي على نمط غير مسبوق من الدناءة وانعدام الضمير فشا في صفوف المتحكمين الجدد، فيما كان مجايلو “أحمد خديجة”، يشهدون له بنظافة الكف، والترفع عما لا يحل له ولو كان قليلا، ومن ذلك أنه إذا حضر طعام الجيش يرفض تناوله، لأنه يقبض “بدل طعام”، وعليه فإن هذا الأكل ليس من حقه، بل من حق العساكر الذين لا يقبضون بدل طعام.
لا ندير ظهرنا
لقد كان نديم خديجة وأشقاؤه بما يملكون من ثروة وأعمال، وقبلها من سمعة أورثها لهم والدهم.. كانوا قادرين أن يعيشوا برخاء، ويكفوا عنهم شرور الشبيحة ومجرمي النظام، ولكن هذه العائلة وكما يقول عمار وابنه ياسر، لم تتعلم الإذعان، ولا إدارة ظهرها لأهلها، رغم أنها عائلة غير كثيرة العدد، إذا ما قيست بعائلات أخرى.
لقد رحل ياسر خديجة قتلا، واعتقل شقيقه عمار وكاد يموت في محبسه، ورفض شقيقهما نديم كل المساومات بما فيها أن يتخلى عن مشروع له بناه كمعرض للسيارات، مقابل أن يتركه الشبيحة وشأنه، وبقي رافضا لكل انواع الابتزاز، حتى تلك التي لم تكن تقع عليه لكنها كانت تقع أمام ناظريه.. وكل ذلك كلف “نديم” حياته وجزءا لا يستهان به من ثروته.. وقبلهم رحل الأب “أحمد” الذي حاول محاربة طائفية الأسد قبل ان تتغول وتحرق وطنا بكامله.
بانتظارها دائما
بعد فترة عصيبة من الانتظار وعدم اليقين، حصل ذوو “نديم أحمد خديجة” على ورقة تثبت وفاته، وعلموا أن جثمانه دفن في مقبرة “النصر” في حمص، لكن قصة عائلة “خديجة” مع الانتظار لن تنتهي، قبل أن تجد العدالة طريقها إلى من صبوا على هذه العائلة ويلات القتل والتعذيب والتهجير، سعيا لاقتلاعها مرة واحدة وإلى الأبد.