إيثار عبد الحق-خاص
أكدت ابنة أحد ضحايا نظام المخلوع، أن أسرتها كانت ضحية لابتزاز وضيع، استغل الحالة الهشة لتلك الأسرة إثر اعتقال كبيرها، وتغييبه وإخفاء مصيره، تماما كما حدث مع عشرات آلاف الضحايا من السوريين تحت حكم الأسد.
وروت ابنة الضحية لمنصة “سوريا 360” طرفا من الواقعة الأليمة، مؤكدة تورط شخصية مخابراتية تقيم حاليا في ألمانيا، سبق لعدد من المهتمين أن طالبوا بملاحقتها ومحاسبتها ولكن دون جدوى.
وديعة
ففي عام 2013 اعتقل رب الأسرة “ي. ع” المتحدر من دير الزور، أثناء مروره في دمشق، من قبل دورية للشرطة العسكرية، لم ترع لشيبته قدرا، وهو الرجل الذي يدلف نحو السبعين من عمره.
كانت التهمة الملفقة لهذا الرجل المسن “التعاون مع ثوار الغوطة”، أو مع “إرهابييها”، حسب منطوق المخلوع ومخابراته، الذين وضعوا المعتقل بمثابة “وديعة” في سجن دمشق المركزي (عدرا)، قبل أن يختفي تماما.
اختفى المسن “ي. ع” تماما وبالمعنى الحرفي للكلمة، فلا خبر عنه، ولا جثمان له، ولا حتى اسم له في أكداس السجلات التي خلفها المخلوع وأجهزة قمعه.. فأي فاجعة لهذه الأسرة، التي يتضاعف أساها وهي ترى أحد جلاديها طليقا، “يتنعم” في ألمانيا بالمال الذي نهبه من هذه الأسرة وغيرها، مستغلا نفوذه.
وفيما عجزت الأسرة المكلومة عن إيجاد وسيلة “قانونية” تعلم بها مصير كبيرها، لجأت كحال الكثيرين إلى آخر الدواء، المتمثل بكي الجرح، و أي “كي” أصعب وأشد إيلاما، من ان تطلب معونة من ساهم بوجعك وقهرك.. ولكنه العلاج الذي لجأت إليه مئات آلاف السوريين، وهذه الأسرة لم تكن استثناء.
الباب
ولأن ابن المنطقة يجب أن يساعدك قبل “الغريب”، أو هكذا افترض أفراد أسرة “ي. ع”، فقد بحثوا وفتشوا عن “باب” يوصلهم لشخص نافذ، يمكن أن يكون الحل على يديه، رغم أن رتبته غير كبيرة، والمعني هو “جهاد خلف الفتحي” المتحدر من ريف الزور، والذي خدم سنوات في سلك القضاء العسكري، وترأس لاحقا ديوان “محكمة الإرهاب”، التي قصت مقصلة أحكامها رقاب ما لا يحصى من الأبرياء.
بعد “أحداث الساحل”.. أوكار الفلول تتحرك في أوروبا
“باب” المساعد أبو علاء وعرفناه، ولم يبق لنا سوى طرقه… هكذا قال أفراد الأسرة وهم “يعشمون” أنفسهم بفرج قريب، لاسيما أن هذا “الباب” أنثى، والأنثى أشد تعاطفا مع زوجة مكلومة، وبنت مفجوعة، أو هكذا يفترض أن تكون.
مثلها مثايل
توجهت الأسرة إلى شقيقة “أبو علاء” كونها الباب الذي يوصل إليه، لكن أخت الجلاد التي لا تزال تقطن دمشق (نتحفظ على ذكر عنوانها)، طلبت في حينها – عام 2013، مبلغ 50 ألف ليرة، “ثمن فنجان قهوة”… 50 ألف ليرة فقط لتتيح لهم لقاء أخيها، وليس لتعطيهم خبرا عن مكان اعتقال الأب ومصيره (50 ألفا كانت تعادل سنتها بين 255 و300 دولار، قياسا على وسطي سعر الصرف الذي نذبذب ذلك العام بشدة، فصعد من 95 ليرة في بدايته إلى 300 ليرة أواسطه، ثم 145 قبيل أواخره).
“ثمن فنجان القهوة” كان باهظا ومنذرا بمبلغ لابد أنه سيكون أكبر عندما تتجاوز الأسرة “الباب” إلى صاحب السطوة والتحكم بالرقاب “أبو علاء”.. ولكن بكم سيكون المبلغ مضروبا قياسا إلى الرشوة التي طلبتها أخت الجلاد.. مضروبا بــ5 أضعاف، 10، 15 ضعفا.. لا لم تحزروا فقد طلب الجلاد مبلغ 5 آلاف دولار، قبض معادله بالليرة السورية يومها (ربما لأن التهامل بالدولار جريمة يعاقب عليها القانون!!)، المهم أن هذه الكومة من النقود أتاحت له جمع ثمن 20 فنجان قهوة، بتسعيرة أخته!
ولكن كيف نتدبر هذا المبلغ الضخم، تساؤل الأسرة لم يطل، فــ”مثلها مثايل” وحولها أسر كثيرة تبيع أملاكها بل والحصير الذي تحتها، لا بل حتى أعضاء جسدها، لتلقم “جهنم” فاسدي النظام ومجرميه، الذين يبطشون بضحاياهم ثم يتصنعون الحرص على تخليصهم… اختصارا لمعاناة لا تختصرها مجلدات، نقول إن الاسرة باعت منزلها.
لم شمل
كان الاتفاق مع الجلاد “أبو علاء”، أن يسعى لفك أسر الرجل المسن، أو على الأقل معرفة مكانه أو مصيره، وقد” وفى” الجلاد بوعده، ولكن على طريقته، فما هي إلا فترة حتى صعق الجلاد الأسرة المنتظرة على الجمر، بخبر مقتل كبيرها في المعتقل، وبهذا “حلل” المال الذي قبضه، وأصم أذنيه أمام كل التوسلات والمطالبات بإرجاع المبلغ أو قسم منه على الأقل.
قاتل في سوريا شبيح في هولندا.. ما حقيقة “بهاء حسن” ومن هو المسجى أمامه؟
سنوات قليلة، وطار الجلاد إلى أسرته التي سبقته إلى ألمانيا.. طار على جناح “لم الشمل” الذي لم -بكل أسف- شمل مجرمين كثر في هذا البلد الأوروبي، وغيره من البلدان.
علمت أسرة الضحية بمصير كبيرها، من الجلاد الذي مد لهذه الأسرة ولغيرها من الأسر التي ابتزها ونهبها.. مد لهم لسانه ساخرا، فالبلاغات المتعددة ضده لم تأت بنتيجة، فهو ليس عسكريا، ولا صورة له بلباس جيش المخلوع فوق جثة أو قرب مقبرة مثلا.. ولذلك فهو بريء بنظر القضاء، حتى ولو كان ضحاياه بالعشرات، يتوزعون بين من دفنوا تحت تراب الأرض، ومن دفنوا تحت تراب الغيظ واليأس انتظارا لعدالة أرضية قد لا تأتي.
دعوى جماعية
تؤكد ابنة الضحية لموقع “سوريا 360” أن الجلاد الذي نهبهم ما يزال في ألمانيا، وأنه اقتنى عددا من العقارات، سجلها باسم أحد أقربائه، وأنهم، هم وغيرهم من ضحايا “أبو علاء”، يكثفون جهودهم لرفع دعوى جماعية ضده في سوريا، حالما تستأنف المؤسسات القضائية عملها، فهي شبه متوقفة منذ سقوط جلاد سوريا الأكبر.
إن منصة “سوريا 360″، وهي تنشر اليوم صفحة واحدة من مجلد ضخم اسمه “#المحرقة- السورية”، تعد هذا التقرير بمثابة بلاغ عام إلى السلطات الألمانية بحق “جهاد خلف الفتحي” الموجود على الأراضي الألمانية منذ نحو 5 سنوات، وتؤكد المنصة استعدادها التام لوصل السلطات الألمانية بذوي الضحايا الذين خضعوا لابتزازه، عسى أن يسهم ذلك في وضع الجلاد أمام قوس المحكمة.
على الهامش: الروح أغلى من المال بما لايقاس، ولكن المال “وشقا العمر” ليس رخيصا، وأن تبيع بيتك أو أرضك أو دكانك، أو تثقل نفسك بالديون أو حتى تبيع مضغة من جسدك، لتضع حاصل ذلك في جيب جلاد، فهذا مما يفتت الكبد، لاسيما أن هذا الابتزاز لم يكن استثناء، بل كان نمطا متفشيا لسنوات طويلة، وكبد السوريين، علاوة على فلذات أكبادهم وأحبائهم، مليارات ومليارات، كانت كفيلة بقلب كفة التوازن الاجتماعي، وتحويل أثرياء إلى فقراء والعكس، وقد يكون لنا عودة لملف الابتزاز المالي قريبا.