سوريا 360 – جمعة الجاسم
آلاف المجازر ارتكبها نظام “الأسد” في سوريا على مدى 14 عاما، لم تحرك مشاعر وأحاسيس “الشاعر علي إسبر” (أدونيس)، لم يدن ولم يرفض، ولم يشارك بأي فعالية تضامن مع مليون سوري استشهدوا، نصفهم تحت التعذيب، ولم ينبس ببنت شفة عندما كانت براميل “الأسد” تهوي على السوريين، ولم يجد في المجازر الجماعية سوى “مشكلة ثقافية” تحتاج إلى نقاش أكاديمي.
مظاهرات يومية كانت تشهدها ساحات وشوارع سوريا منذ انطلاق الثورة في آذار 2011، ومئات المظاهرات خرجت في العواصم والمدن الأوروبية خلال سنوات الثورة، لم تجذب “أدونيس” المقيم في باريس للمشاركة في أي واحدة منها، رغم حجم الفظائع المنقولة على الهواء مباشرة.
استفاقة طائفية
لكن عندما وقعت انتهاكات مؤخرا في الساحل السوري (مسقط رأس أدونيس)، وارتكبتها عناصر محسوبة على الأمن العام، وأكثرها قام بها فلول المخلوع، استيقظ المثقف الحداثوي، فجأة من سباته الطويل، وشارك لأول مرة في وقفة احتجاجية شهدتها باريس يوم الأحد، طالب المشاركون فيها بـ “وقف المجازر” و”بحماية دولية” للطائفة العلوية من السلطات الجديدة في سوريا.
الثابت الوحيد
“الحداثوي والمنفتح” وجدها فرصة للانتفاض، ليس من أجل الضحايا من الشعب السوري، بل لأن الانتهاكات استهدفت هذه المرة بعض الفلول التي طالما صمت عن جرائمها طيلة 14 عاما، من قتل وتهجير وتدمير ولم تهز وجدانه الحداثوي، لكن صاحب كتاب “الثابت والمتحول”، وجد في وقفة باريس وسيلة ليثبت أن الثابت الوحيد لديه هو نزعته الطائفية.
قناع العلمنة
الثورة السورية لم تكن ثورة وفق “أدونيس”، فالثورات بالنسبة له لا تخرج من الجوامع، والمسألة في سوريا ليست في تغيير النظام بل في تغيير المجتمع، مؤكدا بهذا أنه لا يعنيه ما مر به السوريون من مجازر وجرائم ارتكبت بحقهم، ليكشف عن وجهه الحقيقي، نازعا “قناع العلمنة” من خلال عودته إلى “علويته” وتمسكه بها، بخلاف ما كان يطرح من شعارات التجديد والانفتاح وما شابه.
وجها “أدونيس”
كتب “مازن أكثم سليمان” في صفحته على “فيسبوك”: “ما زلت عند موقفي يا “أدونيس”، ولن أحكي ما أعرفه، وما تضمره بوجهين، وما كنت تقوله أمامي ولا تخرجه إلى العلن، على الرغم من أن كل شيء صار واضحا ومكشوفا وعاريا كالعار أمام الأخلاق والضمير والوطنية”.
![]()
“أدونيس” في وقفة احتجاجية بباريس
وخاطب “مازن” “أدونيس” قائلا: “ لقد فقدت احترامي الإنساني لك منذ زمن طويل، وأنا أعد نفسي وبصدق “علويا” أكثر منك، لأن أي إنسان لن يكون علويا ولا سنيا ولا مسيحيا ولا…، إن لم يكن إنسانا أولا، ومواطنا سوريا ثانيا ودائما وأخيرا، وهذا ما كذبت به علينا وصدقناك، حين كنا في مطلع الحياة، نتلقف بشغف وحماس كتبك وشعرك وتنظيراتك عن الحداثة والحرية والتفرد والابتكار”.
داعم المسالخ
من جهته رأى “معتز الخطيب” أنها المرة الوحيدة التي يخرج بها “أدونيس” في مظاهرة، ليس إيمانا بذلك ولكن انحيازا لانتمائه العلوي، وهو لطالما عارض المظاهرات ضد “الأسد”، ما يعني أنه أيد مسالخه البشرية التي دامت لعقود، في حين اعتبر “ملهم الحاج زين” أن “أدونيس زعيم العلمانيين العلويين لم يتحرك بعد آلاف المجازر، التي ارتكبها نظام “الأسد” في سوريا، لكنه خرج ليتضامن مع أبناء طائفته، وتأييدا للانقلاب الفاشل في الساحل، وهذا يؤكد نظرة المثقفين الخاطئة وتصوراتهم المضحكة السابقة عنه”.
“جمال سليمان”: لم أطلب إبقاء العقوبات على سوريا
المثقف الأخرس
“مروان الحفار” قال: “14 عاما نذبح فيها كسوريين بكل الوسائل الشنيعة الممكنة، ولم ينطق المثقف “أدونيس” بكلمة عن تلك الفظائع، فجأة بعث من قبره ليتضامن مع ضحايا الساحل من العلويين حصرا، فالأعمى والأخرس والأطرش عن الجرائم بحق السوريين ككل، لا يحق له أن يتكلم عن جرائم بحق العلويين”.
واعتبر “الحفار” أن هذا الإنكار للإبادة الجماعية بحق السوريين و”استيقاظ الضمير” فجأة بشأن ما جرى في الساحل، دليل على طائفية الكثير ممن يدعون الثقافة، وهذه ليست صدفة بل متأصلة في البنية الأسدية، حيث يعود كل من يدعي معارضة النظام المخلوع عند أي اختبار حقيقي إلى أسديتهم وطائفيتهم وعفنهم.
هوية الضحية
بدوره قال “بهاء الحصوة”: خرج “أدونيس العلوي” في مظاهرة استعادة الحق وإعادة تشغيل مسلخ صيدنايا، فمشكلته وأشباهه هي هوية الضحية وليس رفض الاعتداء على أي أحد كمبدأ، اليوم أدرك “أدونيس” أن هناك ضحايا في سوريا، فعلا إلا الوقاحة أعيت من يداويها”.
صغير أنت يا “أدونيس”
الختام مع “علاء الدين آل رشي” الذي كتب: “صغير أنت يا أدونيس، يا للمثقف الحر، الحداثي، المجدد، أيقونة الفكر المنفتح، يا له من ميزان أخلاقي دقيق، 10 سنوات من القتل والتهجير والتدمير لم تهز وجدانه الحداثي، لكنه اليوم وجد جرعة من الشجاعة الأدبية ليعترض ليس دفاعا عن الإنسان، بل عن الهوية الطائفية، إذ لطالما اختبأ خلف شعارات الفكر المجرد، هذا ليس أدونيس المثقف، هذا أدونيس الذي يخلع قناع التجديد كلما مست الريح طائفته، ليكشف عن وجهه الحقيقي: مجرد بوق آخر في جوقة التبرير والاستعلاء على دماء الأبرياء”.