سوريا 360 – متابعات
شهدت مدينة جرمانا ذات الغالبية الدرزية يوم الجمعة 28 شباط/فبراير أحداثا بدأت باغتيال عنصر من الأمن العام، وخلافات حول التعامل مع الموضوع، وانتهت إلى توتر كامل في المنطقة، حيث ساهمت الحادثة بظهور توترات سابقة إلى السطح، تشمل صراعا على النفوذ في مناطق الدروز ضمن سوريا وفي المنطقة، كما كانت فرصة مثالية لـ “إسرائيل” لتأكيد نواياها العدوانية تجاه سوريا الجديدة، بعد سقوط نظام “الأسد” الذي كان حامي حدودها لمدة 50 عاما.
حامي الدروز
قبيل حادثة جرمانا، أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي “بنيامين نتنياهو” في 23 شباط/فبراير الماضي أنه لن يسمح للجيش السوري الجديد بالدخول إلى جنوب دمشق، وطالبه بإخلاء هذه المناطق، وقال: “نحن ملتزمون بحماية الدروز في جنوب سوريا، ولن نتسامح مع أي تهديد لهم”، وفي اليوم التالي اجتمع رئيس سوريا الانتقالي “أحمد الشرع” مع وجهاء وأعيان الطائفة الدرزية، دون أن تنشر رئاسة الجمهورية أي تفاصيل حول اللقاء، لكن مصادر من الطائفة الدرزية أوضحت أن الحديث تناول التطورات المتسارعة مع “إسرائيل”، وتأكيد أبناء الجبل على تمسكهم بوحدة الأراضي السورية ورفض أي تدخل خارجي.
عقب اغتيال عنصر الأمن العام في جرمانا، أصدر أهالي المدينة بيانا في 1آذار/مارس، أكدوا فيه أن “جرمانا” لم تكن إلا جزءا من غوطة دمشق، ولن يكون لها عمق آخر غير العمق الدمشقي والسوري، مطالبين بمحاسبة كل من يسعى إلى بث الفتنة والتفرقة وتأجيج الخلافات، أو الارتهان إلى أجندات معادية، كما أصدر وجهاء وزعماء مجموعات عسكرية في السويداء، مواقف علنية في محاولة لتهدئة الاحتقان في المدينة.
وعاد “نتنياهو” يوم السبت للتلويح بـ “ورقة حماية الدروز”، حيث ذكر مكتبه أن “رئيس الوزراء” و”وزير الدفاع” أوعزا للجيش الإسرائيلي بالتجهز لـ “حماية مدينة جرمانا”، وأن “إسرائيل” ملتزمة بأمن الدروز، وستتخذ الخطوات اللازمة لذلك”، الأمر الذي دفع الزعيم الدرزي اللبناني “وليد جنبلاط” إلى عقد مؤتمر صحفي يوم الأحد 2 آذار/مارس، أكد خلاله أن “إسرائيل” تريد استخدام الطوائف لمصلحتها وتفتيت المنطقة، وأن الذين ساهموا بتوحيد سوريا أيام “سلطان باشا الأطرش” لن يستجيبوا لدعوات “نتنياهو”، مطالبا الأحرار في جبل العرب وسوريا (الدروز) بالحذر من المكائد الإسرائيلية.
جنبلاط يستشعر الخطورة
“جنبلاط” الذي استشعر خطورة ما يحاك، لم يكتف بالمؤتمر الصحفي، حيث دعا إلى اجتماع طارئ للمجلس المذهبي الدرزي في لبنان يوم الاثنين 3 آذار/مارس في المختارة، وخرج منه بتصريحات تتهم “موفق طريف” زعيم الدروز في “إسرائيل” بمحاولة احتكار تمثيل الدروز في المنطقة بدعم من الصهيونية، وحذر “جنبلاط” من أن هذه اللحظة أخطر من السابع عشر من أيار، في إشارة إلى الاتفاق الذي توصل إليه الرئيس اللبناني الأسبق “أمين الجميل” مع “إسرائيل” عام 1983، مبينا أن المشروع اليوم كبير، ويريد استجرار البعض من ضعفاء النفوس إلى حروب أهلية.
“موفق طريف.. العراب”
أما “طريف” الذي يشكل ركنا أساسيا في المشروع الإسرائيلي، فقد كان أجرى سلسلة لقاءات في العاصمة الأمريكية واشنطن مطلع هذا العام، ركزت على أوضاع الدروز في سوريا بعد سقوط نظام “الأسد”، وصرح للصحفيين هناك: “أن حالة عدم اليقين في جنوب سوريا تتطلب مشاركة ومراقبة دولية، ولا يمكن تحقيق الاستقرار في سوريا من دون ضمان استقرار وحقوق المجتمعات الدرزية التاريخية”.
السويداء .. صراعات داخلية وتهديدات متبادلة
وأتبع “طريف” زيارته إلى واشنطن بزيارة ثانية مطلع آذار/مارس الجاري لحضور أعمال مؤتمر تنظمه مجموعة ADL التي تنشط في قضايا محاربة معاداة السامية، وألقى خطابا إلى جانب آخرين من بينهم وزير الحرب الإسرائيلي السابق “يوآف غالانت”.
“الهجري ينسق مع الأمريكي”
غير أن الحدث الذي يقف فعليا وراء تصاعد الخلافات الدرزية والتوترات بين الفاعلين السياسيين والدينيين الدروز، هو ما جرى في واشنطن في شباط/ فبراير الماضي، بعد أيام من زيارة “نتنياهو”، ولم يظهر إلى العلن حينها، تمثل بلقاء “خلدون الهجري”، قريب الشيخ “حكمت الهجري” زعيم الدروز في السويداء وممثله في الخارج، مع مسؤولين أمريكيين.
وعرض “خلدون” خلال الاجتماعات خطة لتنفيذ تمرد مسلح على حكومة “أحمد الشرع”، تقوده قوات مرتبطة بـ “حكمت الهجري”، وبمشاركة قوات سوريا الديمقراطية الكردية (قسد) في شرق سوريا، ومجموعات علوية من الساحل السوري، بدعم إسرائيلي.
“تنسيق درزي علوي للتمرد”
ويؤيد هذا الطرح ما أوردته “صحيفة تركيا” في 11 شباط/فبراير الماضي عن وجود تنسيق درزي علوي للتمرد، حيث كشفت عن اجتماع سري عقد في مدينة النجف العراقية، لمناقشة خطة انقلاب في دمشق والتخطيط لاغتيال “الشرع”، حضره ضباط في الحرس الثوري الإيراني، وقادة كبار في النظام المخلوع، على أن يتم التنفيذ بدعم من حزب العمال الكردستاني (PKK)، وتنظيم “داعش” وميليشيا “الحشد الشعبي العراقي” وميليشيا “حزب الله” اللبناني.
واعترف الجنرالات الإيرانيون خلال الاجتماع بأن هناك اتصالات مستمرة مع الدروز في السويداء لتشجيعهم على التمرد في مناطقهم، كما تم التنسيق لإنشاء هياكل خلايا سرية في المناطق ذات الغالبية العلوية، وتوزيع الأسلحة والذخائر، وإنشاء شبكة اتصالات قوية لضمان نجاح الخطة.
“خلدون الهجري”: أمر طبيعي في السياسة
وتعليقا على لقاءاته في واشنطن وما طرحه فيها، اعتبر “خلدون الهجري”، في تصريحات صحفية أن “هذا أمر طبيعي في السياسة، فكل المواضيع قابلة للطرح والنقاش”، لكنه أشار إلى أنه في الموضوع العسكري تحديدا “كان طرح إحدى الدول وليس طرح أحد المكونات السورية، ونحن طلبنا معرفة رأي الإدارة الأمريكية في هذا الخصوص، وهل هي داعمة لهذا الأمر”.
ووفق “خلدون” فإنه “لا يوجد حاليا أي تنسيق مع الأطراف السورية نحو حلول عسكرية، وإنما التوجه فقط نحو الدبلوماسية والحوار، لإنتاج حكومة تشاركية وطنية ودستور عصري، يضمن حقوق وأمن جميع المكونات السورية، دون إقصاء وبأقصى سرعة ممكنة، وذلك قبل تفاقم الوضع إلى ما لا تحمد عقباه”.
ورقة بيضاء إسرائيلية حول سوريا
بينما كشفت مصادر أن “نتنياهو” عرض خلال زيارة واشنطن “ورقة بيضاء” إسرائيلية حول سوريا، وتحدث المسؤولون الإسرائيليون صراحة للإدارة الأمريكية بأن “حكومة الشرع المتطرفة” حسب وصفهم، بتحالفها مع تركيا ستكون قادرة على تشكيل جيش يحارب “إسرائيل” خلال 20 عاما، ما يشكل التهديد الأبرز لـ “أمن إسرائيل” في المنطقة، ونشرت وكالة “رويترز” تقريرا أكدت فيه تقديم تلك الورقة التي تنظر إلى التحالف السوري التركي كتهديد لـ “أمن إسرائيل القومي”.
“الأطرش”: لن نطعن سوريا
بالمقابل حذر “ثائر منصور الأطرش” حفيد “سلطان باشا الأطرش” من مخططات التجزئة والتفرقة، وقال في بيان يوم 4 آذار/مارس: “لا تزال هذه المخططات قائمة وجاهزة في الأدراج، وتخرج منها عند الحاجة، وأداة تنفيذ تلك المشاريع هو الكيان الصهيوني للاستيلاء على بلادنا وثرواتها”، مضيفا “كما كان أهلنا على مدار تاريخ هذه المنطقة، السيف المدافع عن وحدة سوريا، لن نقبل اليوم أن نكون الخنجر الذي يطعنها في خاصرتها، ونحن نقول ذلك من موقع التأكيد على حقيقة تاريخية دامغة، وكل صوت مغاير لذلك لا يمثل إلا نفسه”.
عبدي يستنجد بإسرائيل
وبشأن قوات سوريا الديمقراطية ودورها في المشروع الذي يحضر لسوريا، فقد صرح مسؤول عسكري فيها، أن هذه القوات “تحظى بقبول السويداء والساحل السوري، وتستطيع فرض السلم والأمن بدون عنف وبدون تمييز”، فيما أعلن قائد هذه القوات “مظلوم عبدي”، ترحيبه بالدعم الإسرائيلي، وقال خلال مقابلة مع شبكة BBC: “ نحن نرحب بأي شخص في العالم يمكنه المساعدة في دعم حقوقنا وحماية إنجازاتنا، وإذا استطاعت “إسرائيل” منع الهجمات ضدنا ووقف قتل شعبنا، فنحن نرحب بذلك ونقدره”.
أين صوت العقل
حالة استقطاب حاد تعيشها السويداء الخزان الأكبر للدروز في سوريا، حيث انقسمت المحافظة إلى معسكرين رئيسيين، الأول يدعم “حكمت الهجري” ويضم في صفوفه بقايا النظام المخلوع، وبعض الانفصاليين، ومشايخ طامحين للزعامة، أما المعسكر الثاني فداعم للدولة السورية، ويمثله “لواء شيوخ الكرامة”، و”أحرار الجبل”، إضافة إلى شخصيات وطنية بارزة.
بسقوط نظام “الأسدين” تكون سوريا انتهت من أسوأ حقبة سوداء في تاريخها، وهي أحوج ما تكون اليوم إلى تضافر الجهود وجمع الكلمة، ونبذ الخلافات والتوحد تحت راية الجمهورية العربية السورية، فليس هناك أقلية أو أكثرية، وهذا المنطق أوجده الاستعمار كي يجعل بعضنا يستقوي على الآخر، فهل يدرك الدروز ذلك، وهم مكون أصيل في النسيج الوطني السوري، أم ينجرون لإغراءات “إسرائيل” التي تسعى إلى تنفيذ مخططاتها التوسعية تحت ذريعة حمايتهم، سؤال ستجيب عليه قادمات الأيام.