سوريا 360 – سامر المقداد – بورتريه
لم يكن الدكتور “طيب تيزيني”، مجرد أستاذ جامعي للفلسفة، بل كان فيلسوفًا ومثقفًا عضويًا منخرطًا بقضايا مجتمعه. ولا غرابة أن رأه السوريون معتصمًا ومحتجًا ضد نظام الأسد البائد. رغم مكانته العلمية وسنّه الذي تجاوز السبعين عاما، لم يسلم من بطش النظام، حيث تعرض للاعتقال والضرب والإهانة على يد شبيحة النظام. ما تعرّض له في سبيل الإنسان السوري يُعد وسام شرف يُعلق على صدره.
من حمص إلى ألمانيا..
وُلد “الطيب تيزيني” في مدينة حمص عام 1934 وتوفي عام 2019، وككل أبناء جيله، درس الدين وحفظ القرآن الكريم. أتمّ دراسته الأكاديمية في ألمانيا، حيث تأثر بالفكر الماركسي الاشتراكي، والذي أصبح لاحقًا جزءًا أساسيًا من مشروعه الفكري.
مشروعه الفكري من التراث إلى الثورة..
مثّل “تيزيني” اتجاهاً فكريًا وفلسفيًا استفاد فيه من الفكر الماركسي، وربما يكون مشروعه الضخم “من التراث إلى الثورة” أهم إنجاز له. هذا المشروع، الذي يتألف من اثني عشر مجلدًا، جعله فيلسوفًا بارزًا بين فلاسفة القرن العشرين. من أبرز أعماله:
الفكر العربي في بواكيره الأولى.
الإسلام المحمدي.
النص القرآني أمام إشكالية البنية والقراءة
من يهوه إلى الله (جزءان).
هذه الأعمال تعكس عمق تحليله للتراث العربي وإعادة قراءته بشكل نقدي.
تفكيك الدولة الأمنية
توقف تيزيني عند الوضع في سوريا، حيث أعاد لبَّ مأساة السوريين إلى الدولة الأمنية التي أمسكت بمفاصل المجتمع وخنقته. تحدث عن آليات السيطرة التي يستخدمها النظام، ووصفها وصفاً بنظرية “الاستبداد الرباعي” والتي تشمل:
1. “الاستبداد بالسلطة”: احتكار السلطة ومنع المشاركة السياسية.
بلبل الثورة وحارسها.. “الساروت” الغائب الحاضر في ذاكرة السوريين
2. “الاستبداد بالثروة”: تركيز الثروة في يد فئة معينة تتبادل المصالح مع السلطة الحاكمة.
3. “الاستبداد بالرأي”: احتكار وسائل الإعلام وقمع حرية التعبير.
4. “الاستبداد بالحقيقة”: تزييف الحقائق وتشويه الواقع، ولا حقيقة في المجتمع غير التي تدعيها السلطة.
هذا التحليل العميق يقدم تفسيرًا لقدرة النظام السوري المخلوع على السيطرة على المجتمع والدولة.
التابوهات والمناظرات
تميز تيزيني بشجاعته الفكرية في مناقشة الأفكار الممنوعة، أو ما يُسمى بالتابوهات. من أبرز محطاته الفكرية مناظرته مع الدكتور البوطي، والتي تعرض خلالها لهجوم عنيف بسبب آرائه الجريئة. كما ناقش أعلام عصره، مثل المفكر الراحل “محمد عابد الجابري” والمفكر “أبو يعرب المرزوقي”، مما أثرى الساحة الفكرية العربية.
شارك “الطيب التيزيني” بمؤتمر الحوار الوطني في فندق سميراميس في 27 حزيران 2011 برعاية نائب رئيس الجمهورية آنذاك “فاروق الشروع” وبارك في ختامه الانتفاضة السلمية وضرورة سحب الجيش من المدن، وقدم رؤية متقدمة عن موقف النظام البائد منها حين قال: “إن القوى المسيطرة ليس لديها رغبة بالتنازل وتريد اللعب على الجميع، وحذر من أن اللعبة خطيرة جدا في ظل ما تواجهه سوريا”.
كان وسيبقى صاحب شخصية نقدية، أستاذاً متميزاً ومفكراً عميقاً ساهم في إثراء الفكر الفلسفي العربي، ومجدداً فيه.
كما عُرف “تيزيني” باهتمامه الكبير بدراسة التراث العربي الإسلامي وربطه بالفلسفة الحديثة، مما جعله شخصية مؤثرة في الأوساط الأكاديمية والفكرية.