بقلم: الدكتور نزار محمود
أوروبا تقف على عتبة مرحلة تاريخية جديدة، تودع عندها عصر نهضتها وتقدمها وتفوقها لصالح قارات أخرى.
لقد مضت قرابة خمسة قرون منذ عصر النهضة، شهدت فيها أوروبا أحداثاً كبيرة وكثيرة، كانت منها صفحات التقدم الفكري والثقافي والعلمي والتقني واستخداماتها في الصناعة والزراعة والآلة الحربية.
فكان لها الآلاف من المفكرين والفلاسفة والمخترعين والمكتشفين والقادة السياسيين والعسكريين وجيوش من المختصين والفنيين والعمال المهرة التي انعكست في إنتاج كبير دفعها الى البحث المشروع وغير المشروع عن أسواق الموارد والطاقة وتصريف المنتجات.
غير أن هذه الحقبة من الزمن كانت قد تخللتها كذلك حروب وحروب دامية ووحشية كلفت أرواح ملايين البشر سواء في حروب داخلية أو إقليمية أو عالمية.

ومع انتهاء الحرب العالمية الثانية، والتي زادت في ما الحقته من دمار وخراب وقتلى مما سبقتها من حرب عالمية أولى، تمخض في نتائجها عن شكل من اشكال انشطار أوروبا بين شرقية وغربية، كان لكل منها سماته السياسية والاقتصادية والثقافية.
لقد تكتلت كثير من دول أوروبا الشرقية في ما سمي بالكتلة الشيوعية مع الاتحاد السوفيتي القائد، ليشكل شطرها الغربي أولاً السوق الأوروبية المشتركة الذي سرعان ما تطور إلى الاتحاد الأوروبي المتحالف مع الولايات المتحدة الامريكية إبان الحرب الباردة التي امتدت حتى انهيار الكتلة الشيوعية عام ١٩٩١، وبدء محاولة تطبيق نظام عالمي جديد تقوده الولايات المتحدة الأمريكية، صاحبة الذراع الطولى في حلف الناتو والمهيمنة على الهيئات الدولية وكثير من أنظمة دول العالم.
وبعد ان نفضت كثير من دول القارة الأوروبية الغربية الغبار عن أثوابها وعادت لتتنفس الصعداء بعد ما الحقته الحرب العالمية الثانية باقتصادياتها، وفي مقدمتها ألمانيا، وتزامناً مع نمو القوة الاقتصادية والسياسية للاتحاد الأوروبي، وبالتالي تململها للحصول على المزيد من الاستقلالية في قراراتها السياسية والاقتصادية، وهو أمر لا يروق كثيراً للولايات المتحدة الأمريكية، صاحبة القدرة والقرار، والتي تسعى للحفاظ على ذلك، فما كان للولايات المتحدة سوى انتهاج سياسة تستبق فيها تطور الأحداث من أحل توجيهها صوب المصالح الإستراتيجية الخاصة بها.
وفي هذا السياق جاء خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي واستغلال الحرب الروسية في أوكرانيا في إقحام الاتحاد الاوروبي للوقوف ضد روسيا، وتعكير الأجواء كذلك مع الصين في ما يخص قضية تايوان.
اليوم تقف أوروبا على عتبة حقبة تاريخية جديدة، وهي تشاهد نمو الصين العملاق وكذلك الهند والكوريتين ودولاً آسيوية أخرى وإفريقية ولاتينية وغيرها.
إن تصوراً خيالياً لمستقبل أوروبا في ضوء ما أشرت اليه، يلمح إلى أيام تراجع لأوروبا المتقدمة على آسيا وغيرها في إطار تقدم الأخرى، من ناحية، وتعثر خطوات أوروبا في خوض ما استجد من علاقات دولية ومراكز قوى جديدة، فاليورو الذي كان المؤمل له أن يكون أقوى عملة دولية، عاد اليوم ليصبح أرخص من الدولار!.
لقد باتت أوروبا تخشى السلاح النووي الروسي والهندي والباكستاني والصواريخ والطائرات الصينية والإيرانية، كما تخشى فقدان ورق التواليت وزيت الطعام من أسواقها، ناهيك عن ما تعانيه من ارتفاع للأسعار وتضخم نقدي وانكماش اقتصادي، إضافة إلى هزات سياسية وثقافية لا تقدر عواقبها.
برلين، 22.10.2022