أخبار القارة الأوروبية – ألمانيا
هي رحلة للمجهول يندفع خلالها اللاجئ إلى أوروبا حاملا آماله وطموحاته في بلاد غريبة عنه، ليس له جذور بها أو خلفية ثقافية تسهل عليه الاندماج في مجتمعها، ولكن البعض استطاع تخطي هذه الصعوبات وغيرها، بل وحقق نجاحا باهرا وتفوقا يجعل الجميع ينحني احتراما لكفاحه.
من هؤلاء “طارق زيدان المزعل” وهو لاجئ سوريا كافح وناضل منذ وصوله لألمانيا في العام 2015 عندما كان قاصرا ولا يتعدى عمره 15 ربيعا، حتى حصل على الجنسية في العام 2021 خلال ست سنوات فقط بسبب سرعة اندماجه في المجتمع، وخلال هذه الرحلة حظي بالعديد من المنح والجوائز.
واجتهد “طارق” منذ وصوله سواء في تعلم اللغة أو في الرغبة في الحصول على عمل، كما عمل على مساعدة أقرانه من اللاجئين حتى فاز بجائزة السلام.
حاجز اللغة..
المهاجر القادم من مدينة دير الزور يؤكد لـ”أخبار القارة الأوروبية” أن حاجز اللغة كان من أصعب الحواجز بالنسبة له، لذا عمل على تسريع تعلمه للغة حتى أنه سجل التقديم على شهادة التاسع، بالألمانية (Realschulabschluss) التي يقدمها الألمان في الصف العاشر للحصول عليها، وتعتبر من أهم الشهادات المدرسية الأولى، عن طريقها يمكن الشخص الدخول إلى معهد وتعلم مهنة أو التكملة إلى شهادة الثانوية العامة، والتي يستطيع الطالب الحصول عليها بعد الإعدادية إذا درس 3 سنوات.
وكان “طارق” سريع الإنجاز فحصل على الشهادة بتفوق واستطاع حجز مقعد دراسي في المعهد، وبدأ تدريب مهني بمجال الإدارة.
العمل التطوعي..
منذ وصوله حرص “طارق” على التطوع لمساعدة اللاجئين، وفي هذا الصدد يقول: “بدأت بمساعدة اللاجئين في تعبئة الأوراق ومرافقتهم للترجمة في الدوائر الحكومية، هذا الأمر دفعني للبحث عن منظمات مختصة بشؤون اللاجئين والاندماج وتساعدهم لتجاوز العقبات التي يعاني منها شريحة كبيرة من اللاجئين، كما تطوعت مع العديد من المنظمات الألمانية منها AWO و Caritas و Fluchtraum و Help a Refugee وجميعها تعمل في مساعدة اللاجئين”.
منظمة “لاجئ للاجئ”..
يعد تأسيسي منظمة “لاجئ للاجئ” في عام 2017 مع مجموعة من الأصدقاء من أهم إنجازات طارق في ألمانيا، وهي هي منظمة مسجلة ومعترف بها قانونياً، حيث تطوع منذ التأسيس في الهيئة الإدارية، فشغل منصب المدير والآن هو أحد أعضاء مجلس الأمناء.
ومنظمة “لاجئ للاجىء” تعتبر جمعية تطوعية غير ربحية، تعمل على تقديم يد العون لجميع اللاجئين بغض النظر عن لونهم أو جنسهم أو انتماءاتهم القومية أو العرقية أو الدينية، من خلال العمل التطوعي وتبادل الخبرات والمهارات للنهوض بهم والوصول إلى مستقبل أفضل.

كما أقامت الجمعية العديد من ورشات عمل مجانية مع مختصين للحديث عن الحياة في المانيا، وطريقة التقديم الوظيفي، والتواصل مع المجتمع الجديد، كما قدمت العديد من المحاضرات التوعوية عن نظام (التأمين والشركات والطوارئ والجامعة و…الخ)، وتهدف إلى تعريف المجتمع الألماني على تفافة المجتمعات التي جاء منها اللاجئين من خلال الحفلات الموسيقية والفعاليات الثقافية.
الدراسة والمنح..
يتحدث “المزعل” لأخبار القارة الأوروبية عن ومضات من خبراته خلال السنوات القصيرة التي قضاها في ألمانيا موضحا أنه انتهى من دراسة التدريب المهني بمجال الإدارة في تخصص الإدارة والرقابة التجارية بمجموعة شركات الـ AWO بامتياز كما حصل بجانب ذلك على شهادة البكالوريا في برنامج يسمى التأهيل المزدوج، بالألمانية Doppelqualifizierung. ، ورغم صعوبة اجتياز التدريب المهني والتأهل المزدوج في نفس الوقت إلا أنه تمكن من ذلك خلال ثلاث سنوات.
ويدرس “زيدان” في الوقت الحالي في كلية الاقتصاد قسم الإدارة والاقتصاد الأوروبي بجامعة بريمن، لافتاً إلى أنه، “أحب التخصص بمجال الاقتصاد والعلاقات الدولية، ومن الممكن أن يكون بمجال علاقات الدول العربية الأوروبية”.
وبسبب تفوقه ومثابرته حصل “طارق” على عدة منح مثل منحة “اذهب في طريقك” من المؤسسة الألمانية للاندماج. (Deutschlandstiftung Integration) وهي منحة تدعم الطلاب في مشاريع تعليمية ومرافقة من خبراء في مجالاتهم.
وكان من مرافقي “طارق” في هذه المنحة وزير مالية ولاية بريمن السيد “ديمتر تشريل” (Dietmar Strehl) كمرشد شخصي شخصياً له في دراسته.
منحة المؤسسة الألمانية للاندماج يرأسها الرئيس الالماني السابق “كريستيان فولف” و كانت برعاية السيدة المستشارة الألمانية “أنجيلا ميركل” وبعدها تولى رعايتها المستشار الالماني الحالي “أولاف تشولتز”.
يشير “المزعل” إلى أن ظروف انتشار وباء كورونا حالت دون التجمع المباشر في هذه المنحة لكن كان التعليم أونلاين، لكنه كان يجتمع مع مرشده الشخصي (وزير المالية لولاية بريمن) بشكل طبيعي وظل حتى الوقت الحاضر يستطيع الاجتماع معه مرتين شهريا.

أعضاء هذه المنحة أٌقاموا فعالية في برلين بهدف التعارف بينهم وكانت في مطعم Cana العربي، وذلك بعد توقف طويل خلال انتشار كورونا.
كما أقيمت فعالية أخرى في المقر الرئيس لشركة التيليكوم الالمانية Telekom بحضور المستشار الالماني “اولاف شولتس” والمتكفل برعاية المؤسسة، و الرئيس الالماني السابق ورئيس مجلس المؤسسة “كريستيان فولف”، ووزيرة الدولة للهجرة واللجوء والاندماج وعضو في المجلس للمؤسسة السيدة “ريم العبالي”، فضلا عن بعض الاعضاء من مجلس الأمناء للمؤسسة.
قصة نجاح “طارق المزعل” لم تتوقف عند هذا الحد بل كان اجتهاده وسيلة للحصول على العديد من المنح الأخرى مثل منحة شتارت للطلاب الأجانب من مؤسسة (START Stiftung) وهي من أهم المنح للطلاب الأجانب في المدارس لدعمهم في فعاليات تعليمية ودعم مالي للاحتياجات المدرسية، والتي تخرج منها.
يوضح “طارق” لأخبار القارة الأوروبية: “كنت طالبا في هذه المنحة منذ عام 2019، والآن تخرجت منها، ولن أتوقف عند هذا الحد بس سأكمل فيها لدعم الطلاب الجدد فأنا أرغب في دعم كل شاب وشابة عربية في أوروبا للوصول إلى حياة مليئة بالعلم والراحة”.

وحصل “طارق” أيضا على منحة فريدريش إيبرت من مؤسسة Friedrich Ebert Stiftung -وهي منحة للجامعيين، مؤسسها الرئيس السابق لجمهورية فايمار، وتعد من أكبر المنح دراسية للطلاب ومن أقوى مؤسسات الدعم للطلاب على مستوى المانيا، كما حصل على منحة -fellows.net: وهي منحة أونلاين تضع الطلاب على اتصال بشركات معروفة جيدًا وتدعمهم في التخطيط المهني الفردي الخاص بهم.
اقرأ أيضا: ألمانيا.. الفنانة الفلسطينية “ديمة عبد النور” تبحر في ألوان الذاكرة وحكايا الجدات
ثمرة كفاح..
نتاج كل هذا الكفاح كان حصول “المزعل” على عدد من الجوائز ابرزها تكريم “الكرت الذهبي للتطوع” من وزيرة الشؤون الاجتماعية في الولاية التي يعيش فيها عام 2018، وتكريم جائزة المواطنين عام 2019 من بنك الشباركاسة، والحصول على جائزة “المهجر” عن فئة السلام التي تم تقديمها من وزارة التعاون الاقتصادي والتطوير الاتحادية في الولاية.
الجائزة تمنح للمتطوع المتميز والذي يسعى لـ”عالم أفضل.. وتطور أفضل..”، كما تهدف لتقوية ودعم الاشخاص المتطوعين والمنظمات الفعالة لتحقيق أهداف التنمية المستدامة (SDGs).
عوامل الاندماج الحقيقي..
يرى “طارق مزعل” أن: “الاندماج الحقيقي يكون بالحفاظ على الهوية وفي جميع مجالات الحياة وعلينا ألا ننسى المعاناة التي عاشها السوريين ومازالوا يعيشوها، ونعزز دورنا ضمن المجتمع الألماني من خلال العمل التطوعي والفعاليات الثقافية والاجتماعية، وهذه فرصة يجب أن يستغلها الشباب السوري، ولا سيما مجال التطوع وخدمة المجتمع لأنها تفتح الكثير من الأبواب لنا كقادمين جدد”.
كما يرفض طارق مسألة التركيز على القضايا الشخصية والحالات الخاصة التي يعتبرها تعكس الصورة السلبية السوريين والعرب بشكل عام.
