أخبار القارة الأوروبية – تقارير
اعتادت السلطات القبرصية “جنوب” تبني خطابا سلبيا تجاه المهاجرين يحملهم مسؤولية أي حدث مأساوي، ويربطهم بالإرهاب وتغيير الواقع الديموغرافي، وأنهم أدوات بأيدي تركيا لتنفيذ سياسات ضغط على قبرص، لكن السلطات تبنت في الآونة الاخيرة عددا من الإجراءات الجديدة التي تسمح بتحسين عملية طلب اللجوء، كما تعمل على توفير ظروف حياتية أفضل للمهاجرين.
عند وصول المهاجرين إلى قبرص الجمهورية كان عليهم في البداية التوجه لمركز بورنارا (10 كلم غرب نيقوسيا) للتقدم بطلب اللجوء، وهو المركز الوحيد الموجود على الجزيرة لاستقبال مثل تلك الطلبات ومعالجتها.
ويخضع طالبوا اللجوء بعد ذلك لفترة حجر صحي، ضمن الإجراءات المتبعة لمكافحة انتشار جائحة كورونا، وعليهم تقديم المعلومات المتعلقة بسبب هروبهم من بلدانهم خلال تلك الفترة، وما إذا كان لديهم أقارب أو عائلات في بلدان أوروبية أخرى ينوون التوجه إليهم.
تستغرق فترة التقدم بالملف والتحقيق والحجر الصحي نحو 72 يوما، لكن على أرض الواقع مازال بعض المهاجرين قابعين هناك منذ أكثر من ستة أشهر، دون أدنى فكرة عما حل بطلباتهم.
ظروف سيئة..
الظروف المعيشية في المركز سيئة للغاية، حيث أبرزت عدة تقارير لمنظمات غير حكومية ولأعضاء في البرلمان القبرصي، أن المركز يعاني من نقص حاد في البنى التحتية، فضلا عن الخدمات الأساسية.
مراقبون يعتقدون أن الوضع المعيشي السيء في مركز الاحتجاز هو عملية مقصودة من قبل السلطات، بهدف تحويل حياة طالبي اللجوء إلى جحيم، محفزا لهم ليعودوا من حيث أتوا، فضلا عن أن تلك السياسة تفتقر لأدنى مقومات المنطق العام الذي تحاول الدولة الترويج له، حيث خلال فترة كورونا، قاموا بتجميع المهاجرين وطالبي اللجوء هناك، ما شكل بؤرة محتملة للفيروس وخطرا على كافة المقيمين”.
وما إن يستكمل المهاجر الخطوات الأولية المذكورة سابقا، يحصل طالب اللجوء على وثيقة تعطيه حق التنقل على الأراضي القبرصية، وتحميه من التوقيف من قبل الشرطة، بعد ذلك، يخضع لفحص طبي شامل ليحصل على شهادة تسجيل الأجانب، ليغادر لاحقا مع آخرين بواسطة حافلات إلى وسط نيقوسيا.
أزمة العناوين والاسكان..
بعد ذلك يطلب من طالبي اللجوء تزويد السلطات بعناوين بريدية لهم لمراسلتهم من خلالها بشأن طلباتهم، وهو أمر في غاية الصعوبة كونهم انتقلوا للتو إلى الجزيرة ومازالوا في طور التعرف على واقعهم الجديد.
معظم طالبي اللجوء “المطلق سراحهم” يعودون إلى بورنارا مباشرة، فهم لا يعرفون شيئا على الجزيرة سوى ذلك المركز، حيث يتدبرون أمر منامتهم ويحصلون على الغذاء مجانا، وبعضهم يتمكنون من الحصول على عناوين وهمية، من خلال أشخاص يستغلون أوضاعهم مقابل المال، يدفع مقابلها طالبو اللجوء المال ليتمكنوا من الحصول على مراسلات إدارة الهجرة،، أما الغالبية فهي لا تستطيع تحمل نفقات استئجار”عنوان بريدي”، لذا يصبح بورنارا مقصدهم النهائي، حيث يقبعون بانتظار انفراج ما في وضعهم، وبعد الخروج من بورنارا، يفترض بطالب اللجوء انتظار استدعاء من إدارة اللجوء في نيقوسيا لإجراء المقابلة الأولى.
الدنمارك تستعد لنقل اللاجئين إلى رواندا
“إليزابيث كاسينيس” من منظمة “كاريتاس” غير الحكومية تؤكد أن: “المشكلة الأولى هي الإسكان، فالمهاجرون يغادرون بورنارا إلى المجهول، ليس لديهم مكان يذهبون إليه، لا توفر الحكومة أماكن إقامة لطالبي اللجوء (يمكن استيعاب عدد قليل فقط من العائلات والنساء العازبات في مركز استقبال كوفينو في جنوب قبرص).
أما أبرز التعديلات التي قد تكون في صالح المهاجرين فهي تقليص السلطات المدة التي يجب على طالب اللجوء انتظارها قبل الحصول على رد على طلبه إلى شهرين، لكن في الواقع المدة قد تستغرق أشهرا، لكن في الماضي، كان على طالب اللجوء الانتظار فترة تمتد بين ثلاث وخمس سنوات للحصول على رد.
المنظمات غير الحكومية تعترف بالضغط الكبير الذي تتعرض له إدارة الهجرة في البلاد لأسباب عديدة، قد يكون أهمها عدم تحديث نظام النظر بطلبات اللجوء وتوسيع صلاحيات إدارة الهجرة ضمن الدوائر المعنية بالملف.
المنظمات أكدت أن تخفيض فترة النظر بالملف قد يعتبر أمر جيد، لكن على طالب اللجوء المرفوض طلبه أن يستأنف القرار خلال مدة شهر تقريبا، الأمر شبه المستحيل كون المدة غير كافية لجمع الأوراق المطلوبة وإيجاد محام.
المساعدات المالية وقانون العمل..
السلطات توفر مساعدة مادية لطالبي اللجوء خلال فترة انتظار الرد على طلباتهم تقدر بـ261 يورو للفرد شهريا، تدفع من خلال الحساب المصرفي الخاص بطالب اللجوء، ويحتاج اللاجئ لعنوان بريدي حتى يتمكن من إنشاء حساب مصرفي.
لكن هذه المساعدات تصل متأخرة في اوقات كثرة ما يجعل طالبي اللجوء عرضة للجوع والتشرد والوقوع فرائس لعصابات استغلال البشر.
قانون العمل يسمح لطالبي اللجوء بالعمل اثناء انتظار الرد على طلباتهم، لكن حسب قانون العمل القبرصي، لا يحق لهؤلاء العمل سوى في مهن محددة ومحصورة للغاية، كالزراعة وجمع النفايات ومواقف أو مغاسل السيارات وخدمات التوصيل، وحتى في هذه المهن، يتعرض المهاجرون للاستغلال، حيث يصل راتب مهاجر يعمل في الزراعة أو تربية المواشي إلى نحو 450 يورو فقط.
مدينة قبرصية تتحول إلى “غيتو” للمهاجرين السوريين
وللعثور على عمل، على طالبي اللجوء التسجيل ضمن منصة إلكترونية خاصة بخدمات التوظيف، و في اللحظة التي يبدأ طالب اللجوء بها العمل، يتم وقف مخصصات المساعدة الحكومية الخاصة به تلقائيا، كما يمكن توقفها أيضا إذا ما تم اعتبار المتقدم للحصول على عمل “عاطل عن العمل طواعية”، بمعنى أنه رفض عرض عمل مرتين متتاليتين، بغض النظر عن الأسباب التي قد تكون بعد العمل عن مكان إقامته أو لرعاية أطفاله.
وحسب “إليزابيث كاسينيس”: “معايير الحصول على تصريح عمل انتقائية للغاية، فمثلا، يجب أن تكون قادرا على إثبات عنوان سكنك، ولكن دون عمل لن تجد من سيقبل أن يؤجرك منزله، وهكذا، هي دائرة شرسة يقع ضحيتها المهاجرون”.
الرعاية الصحية..
توفر السلطات القبرصية الرعاية الصحية للأشخاص الأكثر ضعفا واللاجئين والمستفيدين من الحماية الفرعية، لكن طالبي اللجوء لا يمكنهم الوصول إلى تلك الخدمات حتى يحصلوا رسميا على الحماية الدولية، لذلك من المستحيل بالنسبة لهم استشارة طبيب عام مثلا.
لكن من جهة أخرى، ليتمكن هؤلاء من الحصول على رعاية صحية، يمكنهم التقدم بطلب إلى وزارة الصحة مرفق بالوثيقة التي حصلوا عليها من بورنارا عند إطلاق سراحهم، بمجرد التحقق من صحة الطلب، يتم إرسال بطاقة دخول للمستشفى صالحة لمدة عام واحد.
إذا قبل طلب اللجوء، يحصل المهاجر إما على صفة لاجئ قابلة للتجديد بعد ثلاث سنوات، أو الحماية الفرعية القابلة للتجديد بعد عام واحد.
أما إذا رفض الطلب، فيمكن لطالب اللجوء استئناف هذا القرار خلال 30 يوما على الأكثر بعد تاريخ الرفض أمام المحكمة الإدارية للحماية الدولية التي تم إنشاؤها مؤخرا.
من المفيد أن نذكر هنا أن نسب الرفض لطلبات اللجوء مرتفعة للغاية في قبرص حيث بلغت العام الماضي 81.4%، وفقًا لدائرة الهجرة.