أخبار القارة الأوروبية- متابعات
بعد أن شهد يوم أمس الأول الأربعاء، مأساة مقتل 27 مهاجرا في بحر المانش الذي يفصل فرنسا عن بريطانيا، بدأت فرنسا وبريطانيا التواصل لحل أزمة المهاجرين ونشاط شبكات الاتجار بالبشر على ضفتي المانش.
الحادثة أودت بحياة 17 رجلا وسبع نساء وثلاثة قاصرين، حيث غرق قارب مطاطي كانوا على متنه قبالة ساحل “كاليه” الشمالي أمس الأربعاء، لتصبح تلك الكارثة الأكثر دموية منذ أن أصبح المانش في 2018 هدفا لمهاجرين من أفريقيا والشرق الأوسط وآسيا، يسعون لعبوره والوصول إلى الضفة البريطانية على متن قوارب غالبا ما تكون غير صالحة للإبحار.
وكان وزير الداخلية الفرنسي “جيرالد دارمانان” قد أفاد في وقت سابق بالقبض على خمسة أشخاص متهمين بعلاقتهم المباشرة بالحادث، مضيفا أنه تم العثور على ناجيين اثنين فقط، عراقي وصومالي، كانا يعنيان من انخفاض شديد في بدرجة حرارة جسميهما، وسيتم استجوابهما في نهاية المطاف.
وأوردت “ناتاشا بوشار”، عمدة مدينة كاليه، أن امرأة حاملا كانت أيضا من بين الضحايا.
آلية مشتركة لمكافحة الاتجار بالبشر
الرئيس الفرنسي ورئيس الوزراء البريطاني أعلنا عزمهما إيجاد آليات مشتركة لمكافحة أنشطة شبكات الإتجار بالبشر، بينما أعلنت الحكومة الفرنسية عن اجتماع طارئ لمواكبة تطورات الحادث.
في وقت شددت فيه الحكومة البريطانية على أنها مستعدة للتعاون مع فرنسا، حيث ألقت الفاجعة بظلالها على المباحثات الفرنسية البريطانية التي انطلقت اليوم الجمعة، لبحث إجراءات جديدة للحد من الهجرة عبر القناة ومكافحة شبكات التهريب والإتجار بالبشر.
الرئيس الفرنسي ماكرون تعهد بأن بلاده لن تسمح بأن يتحول المانش إلى “مقبرة”، وذلك عقب اتصال هاتفي مع ورئيس الوزراء البريطاني جونسون، لبحث آليات تكثيف جهود إحباط أنشطة شبكات التهريب.
وكشف قصر الإليزيه عن أن “ماكرون” أبلغ “جونسون” بأن فرنسا والمملكة المتحدة لديهما “مسؤولية مشتركة”، وأضاف أنه “يتوقع أن يتعاون البريطانيون بشكل كامل والامتناع عن استغلال الوضع المأساوي لتحقيق غايات سياسية، وذلك في اتهام غير مباشر للندن بالمسؤولية عن ما يجري.
كما كشف رئيس الوزراء الفرنسي “جان كاستكس” عن اجتماع طارئ للحكومة لمناقشة الإجراءات الجديدة المزمع اتخاذها. وتشكل هذه الكارثة أيضا تحديا جديدا للتعاون الفرنسي البريطاني، خاصة بعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي.
دوريات مشتركة
من جانبها، جددت بريطانيا، أمس الخميس، عرضها بإرسال قوات من الشرطة وحرس الحدود إلى فرنسا لتنفيذ دوريات مشتركة مع نظرائهم الفرنسيين، على طول ساحل المانش، ورغم رفض فرنسا لهذا العرض في السابق، قال مسؤولون إن جونسون أبقى العرض على طاولة المناقشات خلال محادثات هاتفية في وقت متأخر الأربعاء مع الرئيس الفرنسي.
ونقل عن جونسون قوله أنه : “عرضنا هو زيادة دعمنا، ولكن أيضا للعمل مع شركائنا على الشواطئ المعنية وأماكن انطلاق هذه القوارب”، مضيفا:”هذا شيء آمل أن يكون مقبولا الآن في ضوء ما حدث”، مشيرا إلى أنه لا يمكن السماح لمهربي البشر بـ”الإفلات من العقاب”.
بدوره، قال وزير الهجرة البريطاني “كيفين فوستر” إن بلاده أرسلت طائرة مروحية للمساعدة في عملية البحث والإنقاذ بناء على طلب فرنسا، في أعقاب الحادث الأكثر دموية منذ أن أصبحت القناة في 2018 مركزا للمهاجرين، مؤكدا أن المملكة المتحدة حريصة على العمل مع فرنسا “ويسعدنا دعم عملياتهم على الشاطئ”.
الوزير البريطاني أضاف قائلا: “نحن على استعداد لتقديم الدعم ميدانيا، ومستعدون لتقديم الموارد، ومستعدون لتقديم الأشخاص، حرفيا، للذهاب إلى هناك ومساعدة السلطات الفرنسية”.
على صعيد متصل، أكد “برونو بونيل”، النائب عن حزب “أون مارش” الذي ينتمي إليه “ماكرون”، أنه لن يعارض مساعدة المملكة المتحدة في مراقبة الحدود الفرنسية، على الرغم من المخاوف في باريس بشأن التعدي على السيادة الوطنية.
واعتبر أنه : “طالما أنها عملية علنية وليست طريقة لتحريف المعلومات مرة أخرى، وإظهار أن الشعب الفرنسي يغمض أعينه عن رحلات المغادرة بالقوارب”.
أما “بيير هنري دومون”، النائب عن مدينة “كاليه”، فصرح بأن الدعوات إلى زيادة الدوريات على شواطئ فرنسا هي “حل مجنون” لأزمة المهاجرين، مشددا على أن الوقت قد حان لأن تتوقف الحكومتان عن إلقاء اللوم على بعضهما البعض ومحاولة التحدث وإيجاد حلول حقيقية”.
ورغم الحديث عن التعاون والتنسيق المشترك بين باريس ولندن هاجمت الصحف البريطانية فرنسا بشدة وتصدرت الصحف الأكثر مبيعا صورة لعناصر الشرطة الفرنسية يبدو وكأنهم واقفون مكتوفي الأيدي بينما يسعى مهاجرون لخوض مياه المانش قبالة شمال فرنسا.
تحميل الحكومة الفرنسية المسؤولية
المنظمات والجمعيات الإنسانية وجهت أصابع الاتهام أيضا إلى السلطات الفرنسية، فقد قال “بيير روك” من منظمة “أوبيرج دو ميغران” (Auberge des Migrants) غير الحكومية في “كاليه”، إن المانش يخاطر بأن يصبح خيارا قاتلا مثل البحر المتوسط، الذي شهد خسائر عالية بأرواح المهاجرين الساعين للوصول إلى ضفته الأوروبية.
وأوضح “روك”: “الناس يموتون في القناة التي أصبحت مقبرة، وبما أن إنكلترا في الجهة المقابلة تماما، سيستمر الناس في العبور”.
أما”شارلوت كوانتس” من منظمة “يوتوبيا 56″غير الحكومية، وهي جمعية تعمل مع المهاجرين في “كاليه”، فقالت إن “أكثر من 300” مهاجر لقوا حتفهم منذ عام 1999 في المنطقة.
وصرحت بأنه “طالما لم يتم إنشاء ممرات آمنة بين إنكلترا وفرنسا، وطالما أنه لا يتم منح هؤلاء الأشخاص وضعا قانونيا في فرنسا… فسيكون هناك غرقى”.
واعتبر ت جمعية “يوتوبيا 56” بأن “أول الجناة في الوفيات في القناة ليسوا المهربين، بل القادة السياسيون لنظام عدم الاستقبال في فرنسا وأوروبا”.
أما حزب الخضر الفرنسي فقد اتهم الحكومة بالمسؤولية عن المأساة، وتساءلت النائبة عن الحزب في البرلمان “كريمة ديلي” بالقول:”خيام اللاجئين تمزق بالسكاكين في الصباح الباكر ودرجات الحرارة لا تتعدى 3 درجات مئوية، إخلاء مخيمات المهاجرين كل يومين وفقدانهم ممتلكاتهم ، توقيع اتفاقيات “توكيه” (كل هذا) خطأ المهربين؟”.
وبحسب السلطات الفرنسية، حاول 31,500 شخص المغادرة إلى بريطانيا منذ بداية العام الجاري، كما تم إنقاذ 7,800 شخص في البحر، وهو رقم تضاعف منذ آب/أغسطس الماضي.
أما بيانات السلطات البريطانية فسجلت وصول أكثر من 25 ألف شخص حتى الآن هذا العام، وهو بالفعل ثلاثة أضعاف الرقم المسجل في عام 2020.