أخبار القارة الأوروبية – تقرير
رغم ما شهدته العقود الأخيرة من تقارب بريطاني فرنسي، إلا أن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي فتح الباب على مصراعيه لعودة التنافس مرة أخرى وتوتر العلاقات لا سيما في ما يتعلق بالحدود البحرين بين الدولتين وصلاحيات قوارب الصيد لكل دولة، ما يعيد إلى الواجهة المنافسة الشرسة بين باريس ولندن كواحدة من أقدم الصراعات الدولية في العالم.
وازدادت حدة التوتر مؤخرا بين الجانبين بعد احتجاز السلطات الفرنسية قاربي صيد بريطانيين داخل المياه الإقليمية الفرنسية واقتياد أحدها إلى ميناء فرنسي، وفقا لما أعلنته وزيرة البحار الفرنسية، أنيك جيراردين، الخميس الماضي.
جيرالدين قالت في بيان إن أحد القاربين لم يمكن مدرجا على اللائحة الأوروبية لقوارب الصيد البريطانية، وقام رئيس الحكومة الإقليمية “بإصدار فوري” لأمر توجيه القارب إلى ميناء “Le Havre” الفرنسي، كما غرّمت السلطات الفرنسية القارب الثاني لعدم الامتثال للأوامر والسماح للسلطات الفرنسية بالصعود على متن القطعة البحرية للقيام بعمليات التفقد.
وصعدت فرنسا من لهجتها تجاه الجارة الشمالية بعدما وضعت قائمة عقوبات ستفرضها على بريطانيا، عازية ذلك إلى عدم التزام الحكومة البريطانية بتعهداتها في ما يتعلق بالسماح لسفن الصيد الفرنسية بدخول المياه الإقليمية البريطانية، ما يكشف مدى تأزم العلاقات بين الطرفين وهي علاقات تأثرت بعدة عوامل.
الصيد البحري
وبالعودة لملف الصيد البحري فقد كانت فرنسا حريصة على عدم إبرام أي اتفاق خروج مع البريطانيين، إلا بعد ضمان السماح للسفن الأوروبية بالصيد في المياه الإقليمية البريطانية،
إلا أن بريطانيا التي تتحرك تحت شعار استعادة السيادة على المياه الإقليمية، بدأت تتشدد في منح السفن الفرنسية تراخيص الصيد خصوصا في مياه جزيرة “جيرزي” القريبة جدا من المياه الفرنسية، ولم تسمح إلا لثلث السفن التي تقدمت بطلب بالصيد في مياه هذه الجزيرة، ويظهر التحرك الفرنسي لاحتجاز قارب صيد بريطاني تواجد بشكل غير قانوني في المياه الفرنسية، حجم الغضب الفرنسي في التعامل مع هذا الملف.
ويتخذ الملف بعدا سياسيا حساسا بالنسبة للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الذي يستعد لخوض انتخابات رئاسية عسيرة، ويحتاج لدعم الساحل الشرقي لفرنسا، ولهذا فهو يسعى للظهور بمظهر المدافع عن الصيادين الفرنسيين لاستمالة أصواتهم.
اللافت في الأمر هو قدرة بريطانيا على تحييد الأوروبيين في صراعها مع فرنسا حول الصيد البحري، حيث فشلت فرنسا في حشد دعم أوروبي في هذا الصراع والخروج بموقف أوروبي موحد ضد بريطانيا.
مصادر صحفية بريطانية كشفت أن عددا من المسؤولين الأوروبيين لا يريدون الانسياق وراء التصعيد الفرنسي، ويعتبرون أن الحسابات الفرنسية في هذا الملف تتحرك من منطق سياسي داخليـ ويبدو أن فرنسا اقتنعت أنها لن تجني أي دعم أوروبي في ملف الصيد، فقررت التحرك لوحدها والتصعيد.
صفقة الغواصات النووية
أبرز هذه العوامل هي صفقة الغواصات النووية التي أبرمتها بريطانيا والولايات المتحدة وأستراليا في إطار الاتفاق الأمني “أوكوس” (AUKUS) الذي حرم باريس من صفقة غواصات مع أستراليا بقيمة 89 مليار دولار، وما زال الرئيس الفرنسي يهاجم هذا الاتفاق ويعتبره إخلالا بالأمن العالمي والتحالفات الغربية.
ملف الهجرة
ملف المهاجرين كان حاضرا أيضا بقوة في الخلافات بين لندن وباريس حيث بلغ عدد المهاجرين الذين يعبرون القناة البحرية من فرنسا نحو بريطانيا مستويات قياسية (18 ألف مهاجر في أقل من سنة)، ورغم كل التحذيرات الأمنية البريطانية وتشديد المراقبة على السواحل فإن تدفق المهاجرين لا يتوقف.
وتتهم لندن باريس بالتساهل في السماح لقوارب المهاجرين بمغادرة السواحل الفرنسية، بينما يرد الفرنسيون بأنهم لن يلعبوا دور شرطي البحار لصالح البريطانيين، وفهم البريطانيون الرسالة وتم الإعلان عن صفقة بقيمة 60 مليون دولار من البريطانيين للفرنسيين، بغرض تعزيز المراقبة الفرنسية على السواحل.
وباء كورونا
وكان لوباء كورونا دوره في تعكير صفو العلاقات بين الجانبين بعد أن نجحت بريطانيا في تصنيع لقاح “أكسفورد-أسترازينيكا”، وإطلاق عملية تلقيح المواطنين، حيث وجد الأوروبيون -وفي مقدمتهم الفرنسيون- أنفسهم في حرج كبير، خصوصا أن حكومة جونسون روّجت أن البريطانيين استفادوا من اللقاح قبل غيرهم هو بفضل البريكست.
وبلغ الغضب الأوروبي مداه بالتهديد بقطع وصول اللقاحات المصنعة في أوروبا إلى بريطانيا، لترد الأخيرة بأن الأمر يخالف قوانين التجارة الدولية.
ورغم توفر اللقاح بوفرة حاليا، فإن تلك الحرب وصفتها صحف أوروبية بأنها “واحدة من أسوأ الهزائم” التي تلقاها الاتحاد الأوروبي في تاريخه.
التنافس حول الاستثمارات
في المقابل تدرك باريس أن نقطة القوة البريطانية الكبرى هي القدرة على جذب الأموال الخارجية إلى الحي المالي في لندن الذي يعتبر الأكبر في العالم، ولهذا حاول الفرنسيون الضغط لنقل الكثير من رؤوس الأموال الأوروبية إلى المراكز المالية في القارة العجوز بعد البريكست.
وظهر الصراع على الاستثمارات الخارجية واضحا صيف هذا العام، عندما استقبل الرئيس الفرنسي أكثر من 300 رجل أعمال لجذب استثمارات في الاقتصاد الأخضر بقيمة 4 مليارات دولار.
ردت لندن على ذلك بتنظيم القمة العالمية للاستثمار خلال أكتوبر/تشرين الأول الجاري، والتي استضافت كبار رجال الأعمال في العالم، وأعلنت الحكومة البريطانية أن القمة نجحت في جذب 10 مليارات جنيه إسترليني (12 مليار دولار تقريبا)، وهو رقم أكبر من المحقق في قمة باريس.
المناخ
ومن أبرز ملامح الخلاف الفرنسي البريطاني هو غياب باريس عن التنسيق لقمة المناخ “كوب 26” والتي تستضيفها المملكة المتحدة في أسكتلندا
وتراهن عليه المملكة لتبعث برسائل عدة من بينها أنها قائدة العالم في ملف الحفاظ على المناخ والانتقال نحو الطاقات النظيفة.
الصراع حول حمل لواء حماية المناخ يحضر بقوة بين البلدين، لما له من أهمية في جذب الاستثمارات في الاقتصاد الأخضر، ومؤخرا أعلن رجل الأعمال الأميركي بيل غيتس عن مساهمة في مشاريع خضراء مع الحكومة البريطانية بقيمة 400 مليون دولار.
إيرلندا الشمالية
ولا تزال مسألة خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي مسألة معقدة لا سيما فيما يتعلق بالبروتوكول الخاص بإيرلندا الشمالية، وهي نقطة تعطي لفرنسا قدرة على الضغط للحصول على تنازلات من بريطانيا في ملف بريكست، خاصة أن بريطانيا تخشى من تهديد هذا الملف لأمنها القومي ما يمنح دول التكتل ميزة في التعامل مع مفاوضات خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي.